
في أسبوع العبور (البصخة المقدسة)، تنجلي أمامنا دروسٌ روحيّةٌ عميقة تنبّه الإنسانية إلى ضرورة السهر والاستعداد الدائم لمجيء المسيح الثاني ويوم الدينونة العتيد. إن المخلص يحاول باستمرار، من خلال القراءات والطقوس الكنسية، أن يوقظ أذهاننا بومضات تنبيهية تشبه أحداث اليوم الأخير؛ غير أننا في كثير من الأحيان نغفل عنها ونتجاهل نداءاتها في زحمة الحياة.
فعلى سبيل المثال، في قراءات إنجيل الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء من أسبوع البصخة، يُحذّرنا السيد المسيح من بغتة ذلك اليوم قائلاً: «الَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا» (متى 24: 17)، ثم يُتبعها بقوله: «وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ فَلاَ يَرْجِعْ إِلَى وَرَائِهِ لِيَأْخُذَ ثِيَابَهُ» (متى 24: 18). وقد تجلّت صورة حية وملموسة لمضمون هذه الآيات الإلهية في أحداث معاصرة، كزلزال تركيا المدمر، حيث لم يجد الناس مجرد ثوانٍ معدودة للعودة إلى منازلهم أو التقاط أنفاسهم قبل أن يصبحوا تحت الأنقاض. وكذلك في الظواهر الطبيعية المفاجئة كالأمطار الغزيرة والسيول المباغتة التي تحاصر الناس في أطرف الأوقات، ليعجزوا عن النجاة أو طلب النجدة. إنها مشاهد أرضية مصغرة تُذكّرنا بكيفية مجيء يوم الرب المفاجئ الذي لا يمنح مهلة للمترددين.
أمّا الآية الأشد رهبة وفحصاً لأعماق النفس، فهي قوله الإلهي: «اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الرَّحَى، تُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى» (متى 24: 41). يقدم لنا هذا المشهد عملاً مشتركاً وظاهرياً متطابقاً؛ فالاثنتان تعملان وتجهدان في العمل نفسه، لكن فرقاً إيمانياً وروحياً شاسعاً يفصل بينهما: إحداهما تجاهد بقلب نقويّ ومغرس في المسيح، والأخرى تكتفي بالشكليات. ومن هنا نفهم أن مجرد الممارسة الظاهرية—كحضور القداسات الإلهية، وصلوات البصخة، والصوم، وقراءة قراءات القطمارس—لا تضمن وحدها خلاص النفس إن خلت من المحبة والشركة الحقيقية مع المسيح. فالجهاد الروحي الذي لا يتمحور حول شخص المسيح وسكناه في القلب يغدو مجرد تعذيب شكلي للذات (مازوخية روحية)، بعيداً كل البعد عن طريق ملكوت السماوات.
وفي إنجيل الساعة الحادية عشرة ومثل الخراف والجداء (متى 25: 31-46)، نرى تبايناً ذا مغزى؛ فالأبرار المقبولون الذين دُعوا إلى فرح سيدهم ذُهلوا؛ لأنهم لم يدركوا أن الخير والمحبة اللذين قدموهما للمتألمين كانا موجهين لشخص المسيح نفسه. وفي المقابل، نرى المطرودين يعترضون باستغراب قائلين: «يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاك جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟» (متى 25: 44). لقد ظن هؤلاء أنهم أتمّوا واجباتهم الدينية من تقديم العشور وفعل الخير الظاهري، لكنهم غفلوا عن أن قلوبهم كانت فارغة من المحبة الحية للمسيح في أشخاص أخوته الأصاغر.
إن الله يطلب منا أن نبحث عنه بجدية وإخلاص؛ فهو قادِرٌ أن يُرى في كل إنسان وكل موقف ومكان حولنا، غير أن جفاء قلوبنا هو الذي يحجب رؤيته. فقد نكون ماهرين في المواظبة على الطقوس ودفع العشور، لكن متى غابت المحبة وسكنت المظاهر مكان الجوهر، نغدو عرضة لسماع الحكم القاسي والتواجد في المحل الذي فيه البكاء وصرير الأسنان.
وهذا الجوهر المنذر تنطق به نبوة هوشع النبي في الساعة التاسعة من ليلة الأربعاء، إذ يقول الرب: «مِنْ أَجْلِ سُوءِ أَفْعَالِهِمْ أَطْرُدُهُمْ مِنْ بَيْتِي. لاَ أَعُودُ أُحِبُّهُمْ» (هوشع 9: 15). فالفضيلة الخالية من الحكمة والروح، والجهاد الظاهري الذي لا يستقر المسيح في جوهره، لا ينفعان صاحبهما بل يتحولان إلى سبب دينونة، كما حدث مع العذارى الجاهلات اللاتي غُفلن عن زيت النعمة والمحبة فُأُغلق الباب في وجوههن (متى 25: 1-13). فلا توجد رتبة كنسية أو استحقاق شخصي يفتح باب السماء بمعزل عن الإيمان الحي والجهاد الحقيقي القائم على التواضع؛ وكما قال أبونا أندراوس الصموئيلي بتواضع الآباء: "أنا ما أسواش ملء وداني تراب".
لذلك، وجب علينا أن نتعلم الدرس الشامل من شجرة التين، كما أوصانا الرب: «فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا الْمَثَلَ» (متى 24: 32). فمن يبتغي الملكوت يلزمه التعب والصبر والسعي للدخول من الباب الضيق، وأن يطلب المسيح في كل عمل وكل إنسان. فالسماء لم تكن يوماً رخيصة أو مجانية، بل دُفع فيها أثمن فداء: دم المسيح الأقدس على الصليب. ولذا قيل لنا حثاً على الجهاد الصادق: «لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ» (عبرانيين 12: 4).
فلنستعد إذن ليوم الدينونة بنقاوة القلب والجهاد الحقيقي الذي يرضي الله، مباحثين عن وجه المسيح في كل صباح ومساء، كي نكون من مستحقي ذلك النداء المبهج: «تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متى 25: 34).
فلنستعدّ، إذن، ليوم الدينونة، مستنيرين بإيمانٍ صادقٍ وإخلاصٍ تامٍ، ساعين إلى البحث عن المسيح في كل تفاصيل حياتنا اليومية. إنّ السعي الجادّ للقاء ربّنا لا يقتصر على لحظات العبادة فحسب، بل يمتد إلى سلوكنا، وأقوالنا، وأعمالنا، فكلّ فعلٍ يُقَدَّمُ بنيةٍ خالصةٍ يُقَرِّبُنا من فرح سيدنا. كما قال ربّنا يسوع: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» (يوحنا 14:6)، فالسير على هذا الطريق يتطلّب منا أن نعيش بإيمانٍ عمليٍّ يُظهر محبّتنا للمسيح في كلّ مواقفنا. وعند حلول ذلك اليوم العظيم، سيُستقبلُ الذين سَتَكَنَّنُوا في محبّته بفرحٍ لا يُقاس، ويُدخَلون إلى الحياة الأبدية معه (متى 25:31). فلتكن حياتنا شهادةً حيةً على استحقاقنا لهذا الفرح الإلهي، ولنسعَ دومًا إلى أن نكون جديرين بدخول ملكوت الله.
إرسال تعليق