
لماذا الآبائيات؟
«اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا» (1 يو 1: 1-4).
يحكي أحد الأحباء، وهو ممن أنعم الله عليهم بنور الإيمان من خلفية غير مسيحية، أنه عندما قبل الإيمان بالرب يسوع المسيح واعتمد هو وزوجته، واجه العزلة والتخلّي؛ إذ انفضّ عنه الجميع كعادة المعاناة القاسية التي يمر بها العابرون في بدايات مسيرتهم. وصل به الحال إلى أنه لم يجد كِسرة خبز واحدة في بيته، ولم يستطع أن يطلب من أحد شيئًا لسد جوعه، بل استحيى من كبرياء نفسه وعزّتها أن يرفع أمره إلى الكنيسة أو يطلب عونًا ماديًا. وبقي مع زوجته ثلاثة أيام كاملة دون طعام، حتى غدت زوجته تبكي مرارًا من شدة الجوع والمشقة، وهو يقف عاجزًا لا يملك من أمره شيئًا، وكان ينشطر حزنًا وتعتصره المرارة في داخله.
وفي إحدى الليالي، نامت زوجته والدموع تسيل على خدّيها من الجوع العُضال. وفي منتصف الليل، استيقظ مفزوعًا على زوجته وهي توقظه صارخة بالفرح والذهول: "لقد أطعمتني! لقد أطعمتني بنفسها! جاءت وأطعمتني بيديها!". وبعد أن هدّأ من روعها وأزاح عنها الدهشة، قال لها: "احكي لي باطمئنان، ماذا حدث؟". فقالت له والدموع تمهر وجنتيها: "إن القديسة العذراء مريم جاءتني بنفسها وأطعمتني، وما زال طعم الطعام اللذيذ في فمي حتى هذه اللحظة!".
ثم يعقب هذا الأخ المحبوب قائلاً: "هل تظنون أنني بعد هذه الخبرة الفائقة بحاجة إلى نصوص كتابية أو براهين آبائية لتقنعني بشفاعة القديسين، أو بكرامة القديسة العذراء مريم، أو حتى بصحة الإيمان المسيحي؟".
هذه القصة الواقعية سمعتها بأذني رأسِي من صاحبها مباشرة، وهو اليوم أحد الكارزين الناشطين بالإنجيل، يشهد للمسيح بين أبناء جنسه بكُل قُوّة ويقين.
إن الخُلاصة الروحية التي نلمسها من خلال هذه الخبرة الحية هي أن المسألة ليست مجرد إثباتات نصوص كتابية أو براهين ونظريات آبائية مجردة؛ فالإيمان الحقيقي يبتدئ بالتصديق والقبول، وينتهي بالعيان والمعاينة والخبرة، أي بالعشرة اليومية الحقيقية والاختبار الحي الملموس مع الله، «لِأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا» (2 كو 5: 14). أما العلوم والمعارف النظرية وحدها فستبطل وتزول، كما يقرر الكتاب المقدس: «وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ» (1 كو 13: 8).
وعندما يقول القديس بولس الرسول: «كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ» (1 كو 11: 1)، فهو لا يقصد مطلقًا أن نتمثل بشخصه هو كغاية في حد ذاته، أو أن نربط إيماننا بأشخاص البشر، بل يوجهنا بوضوح قائلاً: تمثلوا بالمسيح كما أتمثل أنا أيضًا به؛ فالمسيح هو الأصل والهدف والمركز الذي تتمحور حوله كل التماثلات والتعليم الآبائي.
إن لم توصلنا دراسة أبحاث الآبائيات وأقوال الآباء إلى هذه المرحلة المباركة—أي أن نعيش المسيح ونختبره في حياتنا اليومية كما عاشوه هم، ونمتلئ بالروح القدس كما امتلأوا، ونفهم فكر المسيح كما فهموه—فإن هذه الدراسة ستتحول إلى مجرد تغذية عقلية ومعلوماتية بحتة، فتتضخم الذات الإنسانية لدينا، وينتفخ كبرياؤنا الروحي، وتتحول حياتنا إلى صراعات وفلسفات عقيمة حول من منا يملك الحق أو يعلم أكثر من غيره.
وأولى ملامح هذه الصراعات والتحزبات الخاطئة تظهر في الدفاع المتعصب عن الأشخاص والانقسام حَوْلَهُمْ، تمامًا كما حذر الرسول قديماً: «أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: أَنَا لِبُولُسَ، وَأَنَا لأَبُولُوسَ، وَأَنَا لِصَفَا...» (1 كو 1: 12)؛ فبدلاً من أن ننتمي جميعنا للمسيح وحدَه ونحيا به، صرنا ننتمي للأسماء والأشخاص ونصارع لأجلهم.
إن من لم يلمس المسيح بيده، ويَرهُ بعينيه، ويسمعه بأذنه في خبرة حية واختبار شخصي، لن يستطيع بحال من الأحوال أن يخبر الناس عنه بحق أو ينقل إليهم الحياة الأبدية.
إرسال تعليق