هل كان المسيح يجهل يوم وساعة مجيئه الثاني ونهاية العالم؟
بعد أن تحدث الرب‑يسوع المسيح عن حتميّة دمار الهيكل، معلّناً أن «لا يبقى حجرٌ على حجرٍ إلا وَينقض» (مت 24:2)، سأل التلاميذ:
فأجابهم المسيح بإظهار جميع العلامات والأحداث التي ستسبق ذلك اليوم، وختم حديثه بحتمية إتمام ما قاله:
ثم، لتفادي سؤاله عن موعد حدوث ذلك، أوضح لهم أن «اليوم والساعة لا يعلمُهما أحدٌ، ولا الملائكةُ الذين في السماءِ، ولا الابنُ إلا الآبُ» (مر 13:32).
وبدلاً من تركيزهم على الزمان، حثّهم على السهر والصلاة، لأن «لاَ تَعلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأتِي رَبُّكُمْ» (مت 24:42).
وعند صعوده إلى السماءِ، أكد لهم مرةً أخرى أن معرفة «الأزمنة والأوقات» هي من اختصاص الآب وحده:
من هذا المنظور، يُفهم أن عدم إطلاع الإنسان على اليوم والساعة لا يعني جهل المسيح، بل يُظهر تدبيره الإلهي في أن يظلّ هذا السرّ محفوظاً للآب، وفق ما أقرّه في كلمته: «وَلَا الابْنُ إِلَّا الآبُ» (مر 13:32).
لماذا يُفسَّر بعضُ الفرقِ هذه العبارة على أنها دليل على جهل المسيح؟
استخدم أريوسيّو وشهود يهوه، وغيرهم من غير المسيحيين، عبارة «وَلَا الابْنُ إِلَّا الآبُ» كحجةٍ على أن المسيح «يجهل» اليوم والساعة، وبالتالي ليس إلهًا مساويًا للآب في الجوهر. بل وامتدّ هذا الاستنتاج إلى ادعاءات أخرى، كعدم معرفته بمكان دفن لعازر أو بحقيقة شجرة التين، ليُصوَّروا المسيح مجرد نبي بشرٍ لا إله.
الحقيقة اللاهوتية: علم الله الكامل والكينوزس
المسيح، ككلمة الله المتجسِّدة، يحمل طبيعتيْن لا تختلطان ولا يتمازجان: اللاهوت (الطبيعة الإلهية) والناسوت (الطبيعة البشرية).
- اللاهوت لا يجهل شيئًا؛ فالله «كامل في لاهوته، فهو يعرف كل شيء، كلِّيّ المعرفة والعِلْم» (المقولة التقليدية).
- الناسوت، حين اتخذ جسدًا، خضع لحدود الإنسان؛ فقد «أَخْلَى نَفْسَهُ» (في 2:7‑8) وصار «صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ» (فِيلِّ 2:7‑8).
الكتابة القبطية تُؤكِّد أن المسيح «أَخْلَى نَفْسَهُ» وَ«أَطَاعَ حَتَّى المَوْتَ» (فِيلِّ 2:7‑8)، وَأن «الكلمة صارت جسدًا» (يوحنا 1:14)، وَأن «الله ظهر في الجسد» (1 تي 3:16).
من خلال الكينوزس (التواضع الإلهي) لا يعني أن الله «يجهل» ما يعلنه، بل يختار أن يُقِيد علمه الظاهري لتكون رسالته صالِحة للإنسان. فكما قال القديس أثناسيوس في «كفاريس»: «المسيح لا يجهل ما يُقصد به، لكنه لا يُظهر علمه الكامل لتُحفظ إرادة الآب».
إذن، عندما قال يسوع «لاَ الابْنُ إِلَّا الآبُ» (مر 13:32)، كان يُعبِّر عن تسليم علمه للآب، لا عن جهلٍ. وهذا لا يُقَلِّل من ألوهيته؛ بل يُظهر السرّ الإلهي في أن المعرفة الكاملة تُحفظ في سلطة الآب، بينما يظلّ المسيح في دوره الإنساني مُستعدًا للقيام بمهمته الفدائية.
خلاصة
- المسيح لا يجهل يوم وساعة مجيئه الثاني ولا نهاية الدهر؛ علمه الكامل محفوظ في سلطة الآب، وهو ما يُظهره قوله «لاَ الابْنُ إِلَّا الآبُ».
- الكنوزس لا يعني نقصًا في المعرفة؛ بل هو اختيار إلهي لتقليل الظاهر من علمه، كي لا يُصبح الفهم البشري عبئًا أو سببًا للانحراف.
- اللاهوت والناسوت في المسيح متحدتان دون اختلاط؛ فالطبيعة الإلهية تبقى كليّة المعرفة، بينما الطبيعة البشرية تخضع للحدود الإنسانية، وهذا ما يفسّر قوله «أَخْلَى نَفْسَهُ» (فِيلِّ 2:7‑8).
وبهذا الفهم المتكامل، لا يمكن أن يُستدل على جهل المسيح من أي نصٍ من الكتاب المقدس، ولا من أقوال الآباء، بل يُؤكَّد أن المسيح، كإله متجسد، يملك كلّ علم الله، لكنه اختار أن يُظهر هذا العلم وفقًا لتدبيره الإلهي وخطته الفدائية للإنسانية.
مقدمة يتجلى في العقيدة الأرثوذكسية القبطية إيمانٌ عميقٌ بأن الابن المتجسد، وهو يسوع المسيح، يمتلك معرفةً شاملةً بكل ما خلقه الله الآب، بما في ذلك علمه باليوم والساعة اللذين سيُظهر فيهما عودة المجد الإلهي. وعلى الرغم من أن هذا العلم لا يُفصح عنه إلا في سلطان الآب وحده، فإن النصوص الكتابية تُظهر بوضوح أن الابن، بصفته كلمة الله وصورة الله، لا يجهل شيئًا من خلقه ولا من مجيئه الثاني.
في ما يلي عرضٌ مفصلٌ للأدلة الكتابية التي تثبت أن المسيح كان يعلم اليوم والساعة، مع توضيحٍ للمعاني اللاهوتية المرتبطة بكل دليل.
1‑ الدليل الأول: كونه «الألف والياء» والبدء والنهاية
الآية في رؤيا تُعرّف المسيح بأنه «الألف والياء» أي الحرفان الأولان والأخيران في الأبجدية، ما يدل على شمولية وجوده. وعندما يصف نفسه في يوحنا 8 بأنه «كائن» قبل إبراهيم، يثبت أنه موجودٌ قبل كل زمانٍ ومكانٍ. كذلك، في صلواته إلى الآب (يوحنا 17:5) يعلن أن له مجدًا كان للآب قبل خلق العالم.
من هذه الصفات الثلاثة – البداية والنهاية، الأول والآخر – نستنتج أن المسيح لا يمكن أن يَغفلَ عن بداية الأزمان ولا عن نهايتها؛ فهو يملك علمًا كاملًا بالزمن الذي خلقه، وبالتالي يعرف اليوم والساعة التي سيُظهر فيها عودته.
2‑ الدليل الثاني: كلمة الله المتجسدة
المسيح هو «الكلمة» التي كانت عند الله قبل الخلق، وهو نفسه الله. كلمة الله لا تُخفى عليها ما هو نتاج فكره وعقله، لأنّها تجسد العقل الإلهي. وبما أن الخلق كله «بِهِ كَانَ»، فإن كلمة الله تعرف كل تفاصيل الخلق، من بدايته إلى نهايته، بما فيها موعد مجيئه الثاني.
3‑ الدليل الثالث: صورة الله الآب في الجوهر
المسيح هو «صورة الله» غير المنظور، أي أنه يشترك في الجوهر الإلهي مع الآب. قوله في كولوسي 1:16‑17 يوضح أن كل شيء خُلق «فيه» وأنه هو السبب الفعّال في وجود كل شيء. إذا كان هو خالق ومُدَبِّر كل الخلق، فلا يمكن أن يجهل ما خلقه، بما في ذلك معرفة اليوم والساعة التي سيُظهر فيها عودته.
4‑ الدليل الرابع: مجد الله الآب وصورة جوهره
المسيح هو «بهارُ مجدِ الآب» وصورة جوهره، وهو الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته. إذا كان هو خالق الدهور والأزمنة، فكيف يمكن أن يجهل اليوم والساعة التي سيُنهي فيها العالم؟ سؤال مزمور 94:9 يضعنا أمام حقيقة أن الخالق لا يَغفلُ عن ما خلقه؛ فالمسيح، بصفته صورة الله، يشارك الآب في علمه الكامل بالزمان.
5‑ الدليل الخامس: مخزون الحكمة والعلم
المسيح هو المخزن الكامل لكل حكمة وعلم. لا يحتاج إلى معرفة مكتسبة كما يطلب من البشر؛ فكل الحكمة والعلم موجودان فيه سلفًا. وبالتالي، لا يمكن أن يكون غير مدركٍ لتفاصيل الخلق، بما فيها اليوم والساعة التي سيُظهر فيها عودته.
6‑ الدليل السادس: قوة وحكمة الله في المسيح
إذا كان المسيح هو «قوة الله» و«حكمة الله»، فبما أن الآب استخدم قوته وحكمته لتحديد اليوم والساعة، فإن المسيح – كقوة وحكمة – يشارك الآب في هذا التحديد. لذا فإن علمه باليوم والساعة لا يتعارض مع سلطتهما المشتركة، بل هو نتيجة لتوحيد الإرادة الإلهية.
7‑ الدليل السابع: إعلان الابن عن ما يعرفه الآب
المسيح يعلن ما يُظهره الآب، لكنه لا يُفصح عن كل ما يعرفه، لأن الإعلان عن اليوم والساعة محصور في سلطان الآب وحده (متى ما أراد). فالمسيح يلتزم بالسر الإلهي في هذا الشأن، وهو ما يفسره قوله «لا الابن» في سياق التدبير الإلهي للتجسد.
خاتمة إن الأدلة الكتابية التي استعرضناها تُظهر بصورة جلية أن يسوع المسيح، كـ«الألف والياء»، و«الكلمة»، و«صورة الله»، و«مخزن الحكمة والعلم»، لا يجهل أيًا من تفاصيل خليقته، بما فيها اليوم والساعة التي سيُظهر فيها عودته. ومع ذلك، فإن إعلان هذا العلم يبقى في سلطان الآب وحده، وفقًا لتدبير الله المتقن في التجسد. هذا الفهم يُعزز إيماننا الأرثوذكسي القبطى بأن المسيح هو المتحكم الكامل في الخلق، وأن معرفته لا تُقيد بحدود الزمن، بل هي جزء من سرّ المجد الإلهي الذي يظلّ يَظهرُ في الوقت المناسب وفق مشيئة الآب.
بل إنَّه هو ذاته، الابن، لا أحد يعرفه في جوهره، المعرفة الحقيقيّة سوي الآب
«كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ» (مت 11:27).
لماذا؟ لأنَّه من ذات الآب، كما يصرّح عن ذاته: «أَنَا أَعْرِفُهُ (الآب) لأَنِّي مِنْهُ» (يو 7:29). وكما جاء في إنجيل يوحنا: «اللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. الابْنُ الوَحيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يو 1:18). إذن، من هو في ذات الآب، وفي ذات الآب، والوحيد الذي يعرف الآب ويُعلن عنه، لا يمكن أن يجهل خليقته. ولا تُعَدُّ معرفة اليوم والساعة أعظم من معرفة الله الآب.
(8) كل ما للآب هو للابن
الابن يَصِرُّ على أن له جميع أسماء وصفات وآلقاب الآب:
«كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي» (يو 16:15).
وعند مخاطبته للآب يضيف: «وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي» (يو 17:10).
كما أكّد أن أعمال الآب تُنجَزُ في الابن: «أَنَّهُ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (الآب) فَهَذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذَلِكَ» (يو 5:19).
وبما أن للابن كل ما للآب، فإن له معرفة الآب كذلك؛ وبالتالي يعرف كل ما يعرفه الآب. فالآب هو كلِّيّ المعرفة والحكمة والعلم، والابن إذاً هو كلِّيّ المعرفة والحكمة والعلم، ومن ضمن ذلك معرفة اليوم والساعة.
(9) وحدة الجوهر بين الآب والابن
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يو 10:30).
«إِنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ» (يو 14:10‑11).
وبما أن الابن واحدٌ مع الآب في الجوهر، وهو في الآب والآب فيه، فمن الطبيعي أن يحمل علم الآب وحكمته ومعرفته وتدبيره. فهو كلمة الله وعقله الناطق، صورة الله غير المنظور، قوة الله وحكمته، ومُخزَن فيه جميع كنوز الحكمة والعلم؛ لذا لا عجب أن يعرف اليوم والساعة.
(10) دور الابن في الدينونة الأخيرة
الابن هو الذي سيأتي في مجده في المجيئ الثاني، ويُقيم جميع الأموات من الموت، ويأخذ المؤمنين على السحاب، ثم يجلس على عرش الدينونة كالدّيان ليَدِينَ الأحياء والأموات.
«لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ» (يو 5:26‑29).
«لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي القُبُورِ صَوْتَهُ فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ» (يو 5:26‑29).
«الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ، العَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ» (2تي 4:1).
وبهذا يُحْيِي المَوتى يَوْمَ الدِّينُونَةِ، وهو الدّيان ويوم الدِّين، وملك الملكوت. وقد صَفَّ هذا اليوم بدقّةٍ وتفصيلٍ:
«وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ القِدِّيسِينَ مَعَهُ فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. يَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءِ عَنِ اليَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ اليَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلَاعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ» (مت 25:31‑34، 41).
(11) سرّ التجسُّد ومجيء المسيح في ملء الزمان
سبق أن عُيِّنَ يوم تجسُّدِه ومجيئِه إلى العالم لفداء البشرية في وقتٍ مُحَدَّدٍ أسماه الكتاب «ملء الزمان»:
«وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنْ امْرَأَةٍ» (غل 4:4).
قواعد عدم التحريف — إلزامية
كان المسيح يؤكد كثيرًا على هذا اليوم الذي يقدّم فيه ذاته، يقول الكتاب بالروح: "مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مت 16:21). ويقول أيضًا: "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ" (مر 9:31). فهل من المعقول أن يعرف الابن اليوم الذي سيُصلب فيه واليوم الذي سيقوم فيه من الأموات، والمُعيَّن من قَبْلِ الخليقة وتأسيس العالم، ولا يعرف يوم مجيئه في مجد؟
وكما بيّنا أعلاه كيف أن الابن يعرف كل شيء وأنه كلي الحكمة والعلم والمعرفة، وقد شرح لتلاميذه كل تفصيلات ودقائق علامات مجيئه الثاني في مجد ونهاية العالم والأحداث التي ستسبق ذلك اليوم وتلك الساعة وما سيحدث بعدها بالتفصيل، بل وشرح ما سيحدث في يوم الدينونة بكل دقة وتفصيل، مؤكدًا أنه في نهاية هذا الجيل الذي ستحدث فيه هذه الأحداث، ستأتي الساعة وينتهي العالم: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ. اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ" (مت 24:34-35). وبالتالي يعرف متى سيكون اليوم وتأتي الساعة.
ثانياً: لماذا قال "ولا الابن"؟
#### (1) قال هذا حتى لا يلح التلاميذ في طلب معرفة ذلك اليوم والساعة ولأنه أرادهم أن لا يشغلوا أذهانهم بالتركيز على حساب الأوقات والأزمنة، كقول القديس بولس بالروح: "وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا" (1 تس 5:1)، بل أرادهم أن يركّزوا على الاستعداد الدائم وضرورة السهر والصلاة، لأنه سيأتي في يوم لا ينتظرونه وفي ساعة لا يتوقّعونها، وقد كرر لهم تأكيده على ذلك: "اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ" (مت 24:42)، "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" (مت 24:44)، "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ" (مر 13:33)، "اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ أَمَسَاءً أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ أَمْ صَبَاحاً" (مر 13:35)، "وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اِسْهَرُوا" (مر 13:37).
#### (2) لأنه اتخذ صورة العبد وصار إنسانًا وكإنسان، تدبيريًا، بناسوته، وبسبب احتجاب لاهوته في ناسوته وظهوره في الجسد ووجوده في الهيئة كإنسان، قال أنه لا يعرف اليوم والساعة. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "والآن فلماذا رغم أنه كان يعرف، لم يُخبر تلاميذه بوضوح في ذلك الحين؟ لا يستطيع أحد أن يفحص ما صَمَتَ الربّ عنه، لأَنَّ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟" (رو 11:34). ولماذا رغم أنه يعرف، قال "وَلاَ الاِبْنُ" يعرف.
أظن أن هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين: أنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى - كإنسانٍ بسبب الجسد، فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو من تلك الطبيعة البشرية التي تتصف بالجهل. وهذا أيضًا يمكن أن يُرى جيدًا. إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولمن تكلّم المخلّص هكذا؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم 8:27-30). وهو لم يقل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان، ولكن حينما صار الكلمة جسدًا.
ولهذا السبب، فمن الصواب أن ننسب إلي ناسوته كل شيء يتكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنّس. لأنه من خاصيّة الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هي أعماله. وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شيء ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامّة والمشتركة للكلّ.
قواعد عدم التحريف — إلزامية
معرفة الله الظاهر والباطنية في الكتاب المقدس
حينما يتكلم المسيح في الإنجيل قائلاً: "أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ" (يو 17:1)، يتضح أنّه بصفته الكلمة الإلهي، يعرف ساعة نهاية كل الأشياء. ورغم أنّه كإنسان يجهل هذه الأمور، لأن الجهل هو من خصائص الطبيعة البشرية، وخاصة الأمور المتعلقة بالمستقبل، فإنه لم يخجل بسبب الجسد الذي يجهل - أن يقول "لا أعرف"، وذلك ليوضح أنّه بينما يعرف كإله، يجهل جسديًا. حينما يتكلم إنسانيًا قائلاً: "وَلاَ الابْنَ يَعْرِفُ السَّاعَةَ" (مت 24:36)، فإنّه كإله يُظهر نفسه أنّه يعرف كل الأشياء، لأنّ ذلك الابن الذي يُقال إنّه لا يعرف اليوم، يقول عن نفسه إنّه يعرف الآب، لأنّه يقول: "لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ" (مت 11:27). وكل الناس عدا الآريوسيين يعترفون أنّ الذي يعرف الآب يعرف اليوم والساعة.
حكمة الله في التعامل مع المحدود البشري
يذكر الكتاب المقدس أمورًا يبدو فيها الله الآب وكأنه لا يعرف أو يجهل، وفي نفس الوقت هو يعرف، فهو كلّي العلم والمعرفة. فما السبب في هذا الظاهر؟ لأنّ هذا ما يقتضيه التدبير الإلهي للخليقة، فهو غير المحدود ولكنه يتعامل مع البشرية المحدودة، ولذا يتعامل مع الإنسان بحسب فهمه المحدود، وأحيانًا لأنّ الوقت المُعيّن لكشف هذه المعرفة لم يأتِ بعد.
وعلى سبيل المثال، يقول الكتاب عندما شرع بعض الناس في بناء برج بابل: "فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو ادَمَ يَبْنُونَهُمَا" (تك 11:5). فهل كان الله يجهل ما يحدث؟ كلا، فقد كان يعرف ما يفعلونه بدليل قوله: "فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ"، وإنما كان يبدو ويتصرّف وكأنّه لا يعرف تدبيريًا، فهو يتعامل مع الإنسان بالمفهوم الذي يقدر على فهمه. وهذا نفس ما قاله عن سدوم وعمورة: "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدّا. انْزِلُ وَارَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الَّتِي أَتَتْ إِلَيَّ وَالَّا فَاعْلَمُ" (تك 18:20-21). الكتاب يقول إنّه نزل ليرى ما يعرفه، فهو يتكلم وكأنّه لا يعرف أو يجهل، وهو يعرف. فالله يعرف ما يحدث في سدوم وعمورة، وأنّ خطاياهم قد عظمت، ولا يجهل ما يفعلونه، بل يعرف ما قد حدث وما سيفعله هو، لكن الكتاب يقول إنّه نزل ليرى تدبيريًا، بحسب المفهوم البشري.
أمثلة على التدبير الإلهي
عندما طلب الله من إبراهيم أن يُقدّم ابنه إسحاق محرقة، وبعد أن وضع إبراهيم ابنه على المذهم وهَمّ لذبحه، قال له: "لا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلامِ وَلا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفُ اللهَ فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" (تك 22:12). فهل كان الله يجهل ذلك؟ كلا، إنما يتكلم الله هكذا تدبيريًا، فقد كان لا بد أن يُبرهن إبراهيم عن طاعته لله عمليًا. كما يقول في المزمور: "الَّلهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا مَعًا فَسَدُوا، لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز 53:2-3). إنّه يعرف كل شيء ولا يُخفى عليه شيء، لكن المزمور يقول ذلك تدبيريًا، بالأسلوب الذي يوصل للبشر ما يريد أن يعلن لهم.
وبنفس الطريقة يتحدث الكتاب عن معاملة الابن لشجرة التين، يقول: "فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: «لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ». فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ. فَلَمَّا رَأَى التَّلاَمِيذُ ذَلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ؟»" (مت 21:19-20). وهنا يبدو وكأنه لم يكن يعرف حقيقة الشجرة، والعكس صحيح، لكنه فعل ذلك ليقدّم للتلاميذ مثالاً: "وَقَالَ هَذَا الْمَثَلَ: «كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ، فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَرًا، وَلَمْ يَجِدْ»" (لو 13:6-7).
«... فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَرًا فِي هَذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا! لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضًا؟» (لو 13: 6-7).
هذا هو المعنى التدبيري الذي قصده الابنُ الكلمةُ؛ فقد بدا في ظاهر الأمر كأنه يجهل إن كانت التينة مثمرة أم لا، وذلك لكي يقدّم لتلاميذه الكرام مثالًا تعليميًا حَيًّا. إنّه يتصرّف ويتكلّم بأسلوب تصويري رمزي ينزل فيه إلى مستوى الفهم البشري الإنساني ليقود الذهن إلى الحقائق الروحية العميقة. تصرَّف المسيحُ كأنه لا يعلم، وهو الربُّ الأقنوميُّ الذي قال عنه القديس بولس الرسول: «الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ» (كل 2: 3).
ويتجلّى هذا النهج التدبيري واضحًا حينما سأل عن الموضع الذي دُفن فيه لعازر، قائلًا: «أَيْنَ وَضَعْتِمُوهُ؟» (يو 11: 34). لقد سأل هذا السؤال في الوقت نفسه الذي كان يعلم فيه بموت لعازر قبل أن يُحاط به في الماديّات؛ فقد كان مدركًا بحسب تدبيره الإلهي الفائق أن لعازر سيموت ويظل في عتمة القبر أربعة أيام، وأنه مُزمِعٌ أن يقيمه من بين الأموات في اليوم الرابع ليُظهر مجد لاهوته الأقدس، كما قال لنسائه وتلاميذه: «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، قَالَ: هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ» (يو 11: 4).
كان الرب يعلم يقينًا بموت لعازر، وكان يعلم أنه سيقيمه بقدرته الذاتية، بل وكان يعلم المستقرّ الذي ذهبت إليه روح لعازر، وقد أقامه بالفعل من سلطان الموت؛ فهل يُعقَل أن يعلم كليُّ المعرفة هذا كله ولا يعلم مكان القبر الترابي الذي وُضع فيه جسده؟ إن الابن سأل بسؤالِ مَن يجهل المكان تدبيريًا، وهو في حقيقته كليّ العلم والمعرفة، لكي يستدرج الحاضرين ليكونوا شهودَ عيانٍ على المعجزة العظمى.
وفعل الأمر نفسه في تعامله الخلاصي مع المرأة السامرية عند بئر يعقوب؛ إذ قال لها: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا» (يو 4: 16)، مظهرًا في ظاهر السؤال كأنه لا يعرف حقيقة أمرها. «أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ» (يو 4: 17)، وهنا كشف لها الربُّ ما لا يعلمه إلا الإله كليُّ المعرفة الذي يفحص القلوب والكُلى، إذ «قَالَ لَهَا يَسُوعُ: حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ» (يو 4: 17-18).
فلما سمعت المرأة السامرية منه هذا الإعلان النبوي السامي الذي كشف خفايا حياتها، «قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!» (يو 4: 19)، ولم تكتَفِ بذلك، بل مضت إلى المدينة تنادي الناس داعيةً إياهم للإيمان: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟» (يو 4: 29). لقد سألها الرب مُتظاهرًا بعدم المعرفة بكينونتها وظروفها، لكي يفتح باب التوبة أمامها، ويكشف لها أسرار حياتها، فيقودها من ظلام الخطيئة إلى الإيمان بأنه هو المسيح المنتظر.
وكذلك سأل تلاميذه الأطهار في نواحي قيصرية فيلبس قائلًا: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» (مت 16: 13)، وهو العالم تمامًا بكل ما يتردد على ألسنة البشر وعقولهم. ولكنه طرح السؤال بأسلوب تعليمي ليُعلِي أفكار تلاميذه ويقودهم - بإعلان الروح القدس - إلى إدراك حقيقة ذاته الإلهية، فارقًا بين الفكر البشري السطحي والإعلان السماوي الفائق. «فَقَالُوا: قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ! فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكِ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكِ، لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت 16: 14-17). وهذا هو عينه المقصد الإلهي الذي أراد الرب شَرحَه وإعلانه؛ أن تُكشَف لهم حقيقته الأزلية بأنه هو المسيح ابن الله الحي.
وبذات الطريقة اللاهوتية السامية، يروي لنا البشير يوحنا ما حدث في معجزة إشباع الجموع: «فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هَؤُلاَءِ؟ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ، لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ» (يو 6: 5-6). لقد وجّه الربُّ السؤالَ إلى فيلبس كأنه يطلب معرفة وسيلة لتدبير الخبز، في حين أنه كان يعلم في ذاته الإلهية علمًا مطلقًا المعجزةَ التي سيعملها والبركة التي سيمنحها.
والخلاصة الإيمانية اليقينية هي أن الابن الكلمة يعلم اليوم والساعة وكل دقائق الدهور بكليّة معرفته الإلهية، ولكن لم يكن من ضمن التدبير الإلهي للتجسد والإفداء الإعلانُ المباشر عنها للجميع في ذلك الوقت؛ فكان يطرح الأسئلة وكأنه لا يعلم ما يسأل عنه، متبعًا أسلوبًا تربويًا، تعليميًا، وتصويريًا بملء الحكمة والتدبير، لكي ينقل للشريد والمؤمن الحقائق الإيمانية العظمى التي قصد إيصالها لخلاص البشرية.
مراجع هذه الدراسة:
1 – محاضرات قداسة البابا شنودة الثالث في الأريوسية. 2 – المقالة الثالثة في الأريوسية للقديس أثناسيوس الرسولي. 3 – Historical and Evangelical Responses to Jesus' Eschatological Ignorance in Mark 13:32. 4 – St. Hilary of Poitiers, On the Trinity 9. 5 – St. Gregory of Nazianzus, Orations, 4 and 7. 6 – St. Ambrose, Exposition of the Christian Faith 10:16. 7 – Augustine, Expositions on Psalms 6 and 37.
إرسال تعليق