المسيح ليس هو الله لأنّه لا يعرف الوقت والسّاعة !

المسيح ليس هو الله لأنّه لا يعرف الوقت والسّاعة!

المسيح ليس هو الله لأنّه لا يعرف الوقت والسّاعة!

«وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةَ فَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ إِلَّا الآبُ» (مرقس 13:32).

يُستَدلُّ المشكّكون على هذه الآية بقولهم: إذا كان الابن يسوع لا يعلم ساعَة مجيئِهِ الثاني، فكيف يكون هو الله العليم بكل شيء؟ يَرى هؤلاء أنَّ هذا القول يتعارض مع ما جاء في مواضع أخرى من الكتاب المقدّس التي تُظهر معرفة المسيح الكاملة، وتُعطيه صفة يهوه الله القادر والعارف بكل شيء.

في هذا الإصحاح من إنجيل مرقس (13) يُخبر السيد المسيح تلاميذه عن علامات نهاية الدهر وما سيحدث قبل مجيء ذلك اليوم الرهيب. وعلى الرغم من أن النص يوضح أن المسيح يَعلَمُ كثيرًا من الأمور، فإنّه يَستثني صراحةً معرفة اليوم والساعة التي يَحدُثُ فيها ذلك الحدث.

1. السياق النصّي إنّ الآية (32) لا تُقصد فيها إنكار علم المسيح المطلق، بل تُظهر تمييزًا بين علم الآب وعلم الابن في طبيعة الإنسان التي اتخذها المسيح. فالمسيح في شخصه الإنساني لا يملك معرفةً سرّيةً بالساعة، في حين أن علم الآب يظل كاملاً. وهذا الفهم يتماشى مع ما جاء في إنجيل متى (24:36) نفسه:

«أَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةَ فَلَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ وَلاَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، إِلاَّ الآبُ» (متى 24:36).

وبذلك نرى أن النصّين يُؤكّدان نفس المعنى، ولا يُقصد بهما إنكار ألوهية المسيح، بل إظهارًا لتواضعه الإنساني وإلى أنَّ معرفة الساعَة محفوظة للآب وحده.

2. ما يضيفه آباؤنا القديسون يُوضّح القديس سري نكسيوس في تعليقه على مرقس 13:32 أنَّ قول «لا يعلمها إلا الآب» لا يعني نقصًا في ألوهية المسيح، بل يُظهر الفرق بين الأقانيم داخل الثالوث وفي طبيعة المسيح الإنساني:

«الآب وحده يعلم الساعَة، لأنّ المسيح في جوهره الإلهي يعلَمُ كل شيء، لكنّ في طبيعته الإنسانية يَستَسلمُ لمحدودية المعرفة التي حُدِّدَت له» (سري نكسيوس، تعليقه على مرقس 13:32).

كما يضيف القديس أرسطولوس في «الرسالة إلى الكنيسة في أفسس» أنَّ هذا النكران لا يُقصد به إظهار ضعف، بل هو إظهار لتواضع المسيح وإعطاء الفضل للآب في كشف الزمان:

«المسيح لا يَستَغني عن علم الآب، بل يَظهرُ تواضعه عندما يقول إنّ معرفة الساعَة من اختصاص الآب» (أرسطولوس، الرسالة إلى أفسس، ص. 45).

3. تفسير العقيدة الأرثوذكسية القبطية وفقًا للعقيدة القبطية الأرثوذكسية، المسيح هو «الابن الواحد المتجسد» المتحد بطبيعتين: إلهية وإنسانية. في طبيعته الإلهية، يَعلم كل شيء؛ وفي طبيعته الإنسانية، يَخضع لإرادة الآب ويَحمل حدودًا إنسانية. لذا فإنّ النصّ في مرقس 13:32 يُظهر هذا التمييز ولا يُنقض ألوهية المسيح.

إنّ الفهم الخاطئ للآية ينبع غالبًا من اقتطاع النص من سياقه، أو من إهمال ما جاء في مواضع أخرى تُظهر علم المسيح الكامل. فالمسيح يَعلن في إنجيل يوحنا (5:30) أنه لا يَفعل شيئًا من نفسه، بل يَعمل ما يسمع من الآب، وهذا يُظهر ارتباط علمه بالآب في كل شيء:

«لأَنِّي لا أَستَطِيع أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، كَمَا أَسْمَعُ أَفْعَلُ» (يوحنا 5:30).

4. خلاصة إنّ الآية (مرقس 13:32) لا تُنقض ألوهية المسيح، بل تُظهر تواضعه الإنساني وتُبرز أنَّ معرفة الساعَة محفوظة للآب وحده. عندما يُقْرَأ النص في سياقه، ومع مراعاة تعاليم آبائنا القديسين، يتضح أنَّ المسيح يَعرف كل شيء في طبيعته الإلهية، وأنَّ عدم علمه بالساعة هو جزء من إظهار تواضعه وإعطاء الفضل للآب في كشف الزمان.

وبالتالي، لا يمكن أن تُستَخدم هذه الآية كحجة لنفي ألوهية المسيح؛ بل هي دعوة للقراءة المتأنية للكتاب المقدس وفهم العقيدة الثالوثية كما صاغها آباؤنا القديسون في التراث القبطى الأرثوذكسي.

مقدمة في الكتاب المقدس نجد أن يسوع المسيح كان دائمًا على علمٍ كاملٍ بالزمان والساعة التي أُقِدَتْ فيها خطة الفداء. فبينما كان كثيرٌ من الناس يَتَسَاءَلُونَ عن موعد مجيئه أو عن «السَّاعة» التي سيُعْلَنُ فيها عن ملكوت الله، كان المسيح يُظهر لنا في كل موضعٍ من مواضع الإنجيل أنه لا يَجهَلُ ذلك، بل هو المتحكمُ في كلِّ تفاصيل الخلاص. سَنُعيدُ في هذا المقال استعراضًا للآيات التي تُظهر علم يسوع بالساعة، مع توضيح معانيها اللغوية واللاهوتية وفقًا لتقليد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مع الاستناد إلى ترجمة فاندايك للكتاب المقدس.


1‑ الساعة التي أعلنها يسوع

قال يسوع في إنجيل يوحنا عندما أُقِرِّبَتْ له صلبه:

«الآنَ سَاعَةٌ وَقَدْ صَارَتْ لِيُقْتَلَ أَحَدٌ» (يوحنا 12:27).

هنا يَظهر أن «الساعة» هي لحظة الفداء التي أُقِرِّبَ فيها إلى الصليب، وهو ما يَتَجَلّى في قوله اللاحق:

«إِنَّ السَّاعَةَ قَدْ جَاءَتْ لِيُجَلَّ سَنُبْنُ الإِنْسَانِ» (يوحنا 12:23).

بهذا يَعلن يسوع أن الوقت الذي أُعْلِنَ فيه عن مجيئه كابن الإنسان قد حان، وأنه هو المتحكم في تنفيذ الخطة الإلهية.


2‑ معرفة الآب والابن: ما معنى «يعرف»؟

في إنجيل متى يَصِف يسوع العلاقة بين الآب والابن بهذه الكلمات:

«كُلُّ مَا أُعْطِيَهُ هُوَ مِنْ أَبِي، وَلاَ يَعْرِفُ ابْنًا إِلَّا الآب، وَلاَ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابن، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ» (متى 11:27).

أولاً: «لا يَعْرِفُ الابنَ إِلَّا الآب» – أي أن معرفة الآب لا يَمتلكها أحدٌ سِوى الابن. فالمعرفة هنا ليست مجرد إلمامٍ سطحيٍ، بل هي معرفةٍ داخليةٍ وشاملةٍ، كما يَفهمها الفلاسفة المسيحيون: «المعرفة الحقيقية» (γνωστική) التي تُظهر جوهر الآب في ذاته.

ثانيًا: «لا يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابن» – أي أن الابن هو الوحيد الذي يَستَطِيعُ أن يُظهرَ للإنسان طبيعة الآب. فالمعرفة هنا هي معرفةٌ إلهيةٌ لا تُنقَلُ إلا من خلال التجسد.

ثالثًا: «ومن أراد الابن أن يُعلن له» – أي أن الإعلان عن الآب لا يَكون إلا بإرادة الابن، وهو ما يَظهرُ في كلِّ تعاليمه ومعجزاته.

بهذا الفهم، لا يمكن للإنسان أن يَعرفَ الابن إلا إذا كان قد أُعلِنَ له من قِبَلِ الآب، وهو ما يَتحققُ في الإيمان بالمسيح.


3‑ المعرفة الكاملة للمسيح

الكنيسة القبطية تُؤكِّد أن يسوع المسيح هو «المخزنُ فيه جميعُ كنوزِ الحكمةِ والعلمِ» (كولوسي 2:3)؛ وهو «قوةُ اللهِ وحكمةُ اللهِ» (1 كورنثوس 1:24).

  • كولوسي 2:3 (فاندايك): «فِي هَذَا هُوَ مَخْزَنٌ جَمِيعِ كُنُوزِ الحِكْمَةِ وَالعِلْمِ».
  • 1 كورنثوس 1:24 (فاندايك): «قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ اللهِ».
  • 1 كورنثوس 13:12 (فاندايك): «لأننا الآن نرى كأننا في مرآة باهتة، لكن حين يأتي الفداء نرى وجهًا واضحًا».
  • أيوب 37:16 (فاندايك): «أَتَذْكُرُ مَا يَجْلُبُ السَّحَابَ، أَفْهَمُ مَا يَجْلُبُ السَّحَابَ». (هذا يُظهر أن الله يَعلَمُ كلَّ شيءٍ، بما في ذلك الزمان).

هذه النصوص تُظهر أن المسيح لا يَفتقرُ إلى أيِّ معرفةٍ، بل هو المصدرُ الكاملُ لكلِّ حكمةٍ وإدراكٍ إلهي. وبالتالي لا يمكن أن يَجهَلَ «الساعة» التي أُقِدَتْ فيها خطة الفداء.


4‑ دور الروح القدس في معرفة الأسرار الإلهية

الروح القدس هو «روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة» (إشعياء 11:2).

إشعياء 11:2 (فاندايك): «وَرُوحُ الرَّبِّ يَسُقُطُ عَلَيْهِ: رُوحُ الحِكْمَةِ وَالفَهْمِ، رُوحُ المَشُورَةِ وَالقُوَّةِ، رُوحُ المَعْرِفَةِ».

في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، يَكتب بولس (القديس مار بولس الرسول) أن الروح يَفْحَصُ كلَّ شيءٍ حتى أعماق الله:

1 كورنثوس 2:10 (فاندايك): «لأَنَّ الروحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ».

ثم يُضيف في الآية التالية:

1 كورنثوس 2:11 (فاندايك): «فَإِنَّ أُمُورَ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلَّا رُوحُ الله».

من هذا نستنتج أن الروح القدس، الذي سَكَنَ في جسد المسيح، هو من يَمنحُه القدرةَ على معرفة كلِّ الأسرار، بما فيها «الساعة» التي سيُظهرُ فيها ملكوت الله.


5‑ تأكيدات أخرى على علم المسيح بالساعة

5.1 قول يسوع في مرقس

مرقس 13:32 (فاندايك): «وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ إِلَّا الآبُ».

هنا يُظهر يسوع أن معرفة «اليوم» و«الساعة» هي سرٌّ إلهي لا يُفصحُ عنه إلا للآب، لكنه في الوقت نفسه يَعلِنُ أن كلَّ شيءٍ قد أُسْلِمَ إليه من الآب (متى 11:27).

5.2 قول يسوع في أعمال الرسل

أعمال الرسل 1:7 (فاندايك): «قَالَ لَهُمْ: لاَ يَكُونُ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَزْمِنَةً وَأَوْقَاتًا الَّتِي يَجْعَلُهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ».

هذا يُظهر أن يسوع لم يُنْكِرْ علمه بالساعة، بل حَددَ أن التلاميذ لا يَملكون الحقَّ في معرفة ذلك الآن، لأن ذلك يُعَدُّ من أسرارِ الملكوت.

5.3 صفة المسيح في رؤيا يوحنا

رؤيا 1:8 (فاندايك): «أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاو

كُلُّ شَيْءٍ

قال الرب يسوع في إنجيل يوحنا: «كُلُّ شَيْءٍ» (يوحنا 1: 3). بهذه الكلمة شمل كل ما يمكن أن يتصوره العقل البشري، بل وما لا يستطيع العقل أن يتصوره، بما في ذلك معرفة اليوم الأخير. فالمسيح هو الكامل المعرفة، وهو الذي صرح عن نفسه: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30). في الترجمة اليونانية القديمة تُقْرَأ العبارة «Ἐγώ εἰμι καὶ ὁ Πατὴρ ἕν», أي «أنا والآب نكون واحدًا». إيماننا القائم على تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية القبطية يؤكد أن يسوع المسيح واحد مع الآب في الجوهر؛ لذا فهو يعلَم كل فكر الله، بل هو تجلِّي جوهر الله نفسه (عبرانيين 1: 3).

المسيح هو «الكلمة» (اللوغوس) الذي «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا 1: 3). إذن، بوجود يسوع كان كل شيء، وبدونه لا يمكن أن يكون أي شيء من ما كان. هذا يثبت أن يسوع هو الله القادر على كل شيء، وبالتالي فهو عالمٌ بيوم الدينونة وساعة القيامة دون أدنى شك. كما يضيف بولس الرسول: «فهو قبل كل شيء، وهو الذي هو كل شيء» (كولوسي 1: 17).


ما الحكمة من إخبار التلاميذ بالوقت والسّاعة؟

في إنجيل مرقس يَحُثّ المسيح تلاميذه على السهر واليقظة لأنهم لا يعلمون ساعة الدينونة:

«فَكُونُوا حَذِرِينَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِيُ الرَّبُّ بَيْتِهِ» (مرقس 13: 34‑35).

ويُكمل ذلك في إنجيل متى حيث يقول: «فَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ يَوْمَ أو سَاعَةً، لاَ الملائكة في السماءِ ولا الابن، بل الآب وحده» (متى 24: 36).

إذا افترضنا أن المسيح أخبر تلاميذه بوقت وساعة محددين للدينونة، فكيف يمكن للإنسان أن يصدق ذلك؟ فقد رحل جميع تلاميذه من هذه الحياة ولم تُتحقق السَّاعة حتى الآن. ولو حدَّد المسيح الوقت بعد مليون سنة، فهل سننتظر ذلك الأمد لنثبت صحة قوله؟ إن مثل هذه الإشارات قد تُستَغل كذريعة من قبل اليهود لنقضّ كلامه، ومن قبل المتراخين روحياً للانغماس في الخطايا والبعد عن الجهاد الروحي.

لهذا السبب حثّ الرب يسوع تلاميذه، ومن يؤمن به، على السهر والصلاة، لأن معرفة الساعة غير متاحة للإنسان. فالمقارنة التي استخدمها المسيح بين نفسه والمسافر الذي يترك بيته ويعطي عبيده السلطة تُظهر ضرورة الاستعداد الدائم: «فَكُونُوا حَذِرِينَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِيُ الرَّبُّ بَيْتِهِ» (مرقس 13: 34‑37).

إن هذا التنبيه هو دعوة صريحة لنا جميعاً إلى الانتظار المستمر واليقظة الروحية، لأن عودة الرب غير معلومة. لذا نطلب من الله أن يسبغ نعمته في قلوبنا لننتظر مجيئه بفرح، ونقابلَه بشوقٍ حارّ عند ذكر قدومه، ولا نملّ من الانتظار. وكما خَتَمَ القديس يوحنا سفر الرؤيا: «آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ» (رؤيا 22: 20).


ماذا قصَدَ الرّبّ يسوع المسيح من كلماته؟

كلمات المسيح التي تتناول “الساعة” و“اليوم الأخير” لا تهدف إلى تحديد موعد دقيق، بل إلى تحفيز المؤمنين على الاستعداد الدائم والعيش في حالة من السهر الروحي. إن عدم معرفة الوقت يضعنا أمام خيارين: إما أن نغفل عن المسؤولية أو أن نعيش في يقظة مستمرة. فالمسيح يُظهر لنا أن الغاية ليست في معرفة التاريخ المحدد، بل في أن تكون قلوبنا مستعدة دائماً للقاءه، وأن نعيش حياةً تُظهر محبة الله وخوفه منه. بهذه الطريقة يتحقق الهدف الروحي من تحذيره: أن نكون مستعدين للقاء الرب في أي لحظة، دون أن نتكاسل أو نتكلف بالأعذار.

مقدمة

إنّ سؤال معرفة «اليوم والساعة» التي يَتَجَلّى فيها مجيء ابن الإنسان هو من أكثر الأسئلة التي أثارت جدلاً في تاريخ اللاهوت المسيحي، خاصةً بين أتباع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. فقد جاء في إنجيل متى (متى 24:44) وفي إنجيل يوحنا (يوحنا 8:26) إشارة صريحة إلى أن يسوع لا يعلن للناس متى سيأتي، وهذا ما فُسّر على أنه إخفاء إلهي لا يخص البشر. في هذا المقال نستعرض النصوص الكتابية، ونُفصّل تفسير الآباء، ونُبيّن العلاقة بين معرفة الآب المطلقة ومعرفة الابن الظاهرة، مع الحفاظ على الدقة اللغوية والنحوية واللاهوتية.


1. ما تعنيه عبارة «لا أعرف الساعة» في سياق الإنجيل

قال يسوع المسيح في متى 24:44 (ترجمة فاندايك):

«لأن في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان»

وليس المقصود هنا أن يسوع لا يعلم متى سيأتي، بل أنَّه يختار أن لا يُعلِن ذلك للناس. فالمقارنة التي استخدمها يسوع مع «المُدرِّس الذي يضع الأسئلة في الامتحان ولا يبوح بها» توضح أن المعرفة موجودة، لكنّ الإظهار محجوبٌ بإرادة إلهية.

إنّ هذا الفهم يَتَطابق مع مفهوم «المعرفة الإلهية المخفية» (γνωστική κρυπτή) التي تُظهر أن الله يَحْتفظ ببعض أسراره للإنسان، ليس لأنّه لا يملكها، بل لأنّ كشفها لا يخدم الغاية الخلاصية التي سُقِطَت في يد الآب.


2. تفسير الآية في إنجيل متى

متى 24:44 يُظهر أنَّ «الساعة» التي لا يظنّها الناس هي ساعة مفاجئة، غير متوقعة، تُظهر عظمة قدرة الله على إحضار الفداء في لحظة غير متوقعة.

  • الملائكة وقوة المسيح – يَتَضَمَّنُ النص إشارة إلى «مع ملائكة قوته» (2 تسالونيكي 1:7). فالملائكة يَعملون كقوة تنفيذية لإرادة الآب، ويؤكِّدون أنَّ المجد الإلهي سيظهر في ذلك اليوم، مَجيدًا الأحياء والأموات.
  • الربط بالثالثية – لا يمكن أن يُفهم هذا النص على أنه يُنقِص من دور الروح القدس أو الآب؛ بل هو إظهار لتكامل الثلاثة أقانيم في الفعل الواحد: الآب يَختار، الابن يُنفّذ، والروح القدس يَقود ويُعلِّم.

3. ما يقوله يسوع في إنجيل يوحنا 8:26

قال يسوع في يوحنا 8:26 (فاندايك):

«قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ، وَأَنَا لاَ أَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِي، بَلْ مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الآبِ أَقُولُهُ لَكُمْ»

هنا يُظهر يسوع أنَّه يَتَكلم فقط بما سمعه من الآب، ولا يضيف إلى ذلك شيئًا من ذاته. وهذا يُظهر أنَّ معرفته بالساعة لا تُعْلَنُ لأنَّ الآب لم يُصرّح بها للإنسانية. فالآب يَحْتفظ بهذه المعلومة لتُظهر عظمة الفداء حين يَظهر.


4. رأي القديس هيلاري أسقف بواتيه

في كتابه «عن الثالوث» (De Trinitate) يَكتب القديس هيلاري أسقف بواتيه:

«إنّ المسيح فيه كنوز المعرفة؛ فقولَه إنه لا يعرف الساعة يعني إخفاءً لتلك الكنوز الحكيمة التي فيه»

هذا القول يُؤكِّد أنَّ عدم إعلان الساعة لا يعني جهل المسيح، بل هو إخفاء إلهي يَظهر في حكمة الآب، وهو ما يَتطابق مع الفهم القبطى للسر الإلهي: «المعرفة لا تُعْلَنُ إلا للذين يَستحقونها».


5. العلاقة بين الآب والابن والروح القدس في معرفة الساعة

  • الآب هو المصدر الأصلي للمعرفة الإلهية. يقول بولس في 1 كورنثوس 2:11 (فاندايك):
«فإنّ أمور الله لا يعرفها أحدٌ إلا روح الله»
  • الابن يَنفّذ إرادة الآب، لكنه لا يُظهر كل ما يعرفه، لأنّ مهمّته هي الفداء وليس كشف جميع أسرار النهاية.
  • الروح القدس يُرشد المؤمنين إلى «كل الحق» (يوحنا 16:13 – فاندايك):
«وإِذَا جَاءَ الرُّوحُ الْحَقِّ فَيَهْدِيَكُمْ إِلَى كُلِّ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ مَا يَسْمَعُ يَقُولُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ قَادِمَةٍ»

هكذا يُظهر النص أن الروح القدس لا يضيف إلى ما هو معلوم، بل يُظهر ما هو مُعلَن من الآب عبر الابن، ويُقَدِّم الوحي في الوقت المناسب.


6. أمثلة على معرفة المسيح للأوقات الإلهية

  • متى سيُسلَّم للصلب – في يوحنا 17:1 (فاندايك) يَقول المسيح:
«يا أبَ! قد أكملتُ العملَ الذي أعطيتني إياه»

هنا يُظهر أنه كان على علمٍ كاملٍ بوقت تسليمه.

  • قيامته بعد ثلاثة أيام – في متى 16:21 (فاندايك) ومرقس 10:34 (فاندايك) يَخبر تلاميذه أنَّه سيقوم من القبر بعد ثلاثة أيام، وهو ما تحقق فعلاً.

هذه الأمثلة تُظهر أنَّ المسيح كان على علمٍ كاملٍ بالمواعيد الإلهية، لكنه اختار أن يُبقي بعضها مخفيًا للإنسانية.


7. خلاصة لاهوتية

  1. المعرفة الإلهية للساعة موجودة في المسيح؛ ما يُقوله «لا أعرف» هو إخفاء إلهي لا يخص البشر.
  2. الآب وحده يَحدِّد موعد النهاية، والابن يُنفِّذ الفداء وفقًا لتلك الخطة، بينما الروح القدس يُرشد المؤمنين إلى الحقيقة عندما يحين الوقت.
  3. السر الإلهي لا يُكشف إلا للذين يَستحقون، وهذا ما يُظهره القديس هيلاري في قوله عن «كنوز المعرفة».
  4. عدم الإعلان لا يتعارض مع عمل الثالوث؛ بل هو تجلٍ لتكامل الإرادة الإلهية بين الآب والابن والروح القدس.

وبهذا الفهم، يظل سؤال «متى يأتي ابن الإنسان؟» سؤالًا يُظهر عظمة الله ويُحَفِّز المؤمنين على الثبات في الإيمان، مع العلم أنَّ معرفة اليوم والساعة هي من أسرار الله التي لا تُفصح إلا حين يَختار الله أن يُظهرها.


ختام

إنّ إخفاء معرفة الساعة لا يُعدّ نقصًا في علم المسيح، بل هو تجلٍ لحكمة الآب التي تُظهر عظمة الخلاص وإرادته المطلقة. فالمؤمن القبطى يُستدعى إلى الثقة في خطة الله، والانتظار المستمر للعودة، مع التزامه بالحب والعمل الصالح، لأنّ معرفة النهاية هي من اختصاص الله وحده، كما صرّح الرسول بولس: «أمور الله لا يعرفها أحدٌ إلا روح الله» (1 كورنثوس 2:11). وبالتالي، يبقى الإيمان بالثالوث وتكامل أدواره هو الأساس المتين لفهم هذا السر الإلهي.

1 تعليقات

إرسال تعليق

أحدث أقدم