الروح القدس فى عظات القديس مقاريوس الكبير

الروح القدس فى عظات القديس مقاريوس الكبير

في عظات القديس مقاريوس

مقدمة:

لعل من أكثر كتابات الآباء تعبيرًا عن الوحدة بين الروح والواقع هي كتابات الآباء شيوخ البرية الأقباط، وذلك يعود إلى عمق خبراتهم الروحية التي من خلالها تعاملوا مع كل الظروف المحيطة. كما يعود ذلك إلى أنهم لم يدخلوا الفلسفة في روحياتهم كاليونانيين.

مرة جاء أفاغريوس البنطي إلى شيخ في البرية وسأله: "لماذا يمارس المصريون النسك والتمييز أكثر من اليونانيين؟" فأجابه الشيخ: "لأن اليونانيين قد أهدروا وقتهم في حب الكلام والعجب". وهذا يعكس لنا أن آباء البرية عاشوا التأمل (Qewria) والتاريخ (Istoria) بعمق باطني يميز الروحانية القبطية. وسنتعرض الآن إلى هذا الجانب من خلال القديس مقاريوس المصري، وسنلجأ في هذه الدراسة إلى عظات القديس مقاريوس التي صدرت في ترجمات عربية مختلفة.

الروح القدس والإنسان والكنيسة والتاريخ

في عظات القديس مقاريوس المصري

#### رؤية قبطية للعلاقة بين التأمل (Qewria) والتاريخ (Istoria)

القديس مقاريوس المصري (300-390م) وأسمته إخوته في البرية "الشاب الشيخ"، هو مؤسس منطقة الأسقيط الرهبانية، وهو تلميذ العظيم الأنبا أنطونيوس. وكلاهما يعبران وبصدق عن خصوصية الروحانية القبطية، بل والشرقية، والتي تتميز بالتفاعل العفوي والاندفاع القلبي نحو الشركة مع الله الآب في وجه يسوع الحبيب بالروح القدس.

والروح القدس عند مقاريوس هو "فلاح النفس البشرية ومخصبها". ويقول العالم الفرنسي A. Guillaumont بأن عظات مقاريوس إنما تعبر عن الروحانية المسيحية في أنقى صورها. ويذهب آخر إلى أن الشرق المسيحي لم يفصل أبدًا بين العقيدة كلاهوت والعقيدة كخبرة كنسية وروحية، وأن العقائد الأساسية كالثالوث والتجسد وعمل الروح القدس، التي صاغها الآباء في القرون الأولى، ما هي إلا صور الاختبارات النسكية وضعت في صيغ عقائدية. فالروحانية (النسك والسلوك) لا تنفصل عن العقيدة (اللاهوت)، وبأسلوب آخر: المخدع لا ينفصل عن المكتب.(1)

الروح لا ينفصل عن التاريخ والأحداث. وليس من قبيل المصادفة أن تزامن جهاد مقاريوس لإعلاء شأن الروح القدس وعمله في داخل النفس اختباريًا (هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحتها(7:5) - عظات القديس مقاريوس الكبير، مركز دراسات الآباء 1991، وسوف نقتبس دائمًا من هذه الترجمة مع الرجوع إلى النص اليوناني من حين إلى آخر).

نقول إن تزامن جهاد مقاريوس مع جهاد الكنيسة لإعلاء شأن الروح القدس لاهوتيًا وصياغة ذلك عقائديًا في مجمع القسطنطينية 381م ليس مصادفة.

فخبرة الآباء الشيوخ هي ثيؤريا=تأمل (Qewria)، والمجمع هو التعبير التاريخي عن هذه الخبرة، تاريخ (Istoria). فهناك إذًا في ضمير الكنيسة وحدة بين الجهاد الروحي الاختباري والجهاد العلمي واللاهوتي [لأن تلك النار السماوية، ونار اللاهوت، التي يقبلها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل سوف تصير ظاهرة من الخارج] (عظة 1:11). فاللاهوت كعلم كنسي هو امتداد لعاصفة يوم الخمسيين في الكون. [كما أن الثلاث فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم "وسجدوا للرب بالروح والحق"، كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلي وهم في هذا العالم، وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية] (عظة 2:11) - الترجمة الحرفية (يُشكل أو يرسم أيقونة سماوية)، وفعل "يُشكل" (morfie) هو الذي استخدمه الرسول من نفسه في (فيلبي 2:5) "آخذًا صورة (morfie) العبد". في (عظة 30:4) يؤكد القديس مقاريوس أن السيد المسيح يرسم في النفوس صورة الإنسان السماوي على صورته.

ويُمثل لاهوت استدعاء الروح القدس (Epiclesis) في الليتورجيات الشرقية القاعدة لفهم فكر وممارسات آباء البرية وما يمثلونه من تيار نسكي ترك بصماته على الكنيسة أثناء الحقبة الآبائية. فالحياة النسكية هي استدعاء دائم للروح القدس ليحول جسدنا المائت إلى هيكل الحياة الأبدية، أي يحول شهادة المسيح إلى واقع حي مقروء من جميع الناس، أي يحول (Istoria) إلى (Qewria)(2).

1ـ الروح القدس والسر المكتوم منذ الدهور:

(1) Andrew Louth, The Origins of the Christian Mystical Tradition, Oxford, 1991, P.v

(2) المرجع السابق.

القديس مقاريوس ورؤيته للسر المكتوم في المسيح

يُؤكِّد القديس مقاريوس أن الهدف الأساسي من ظهور السر المكتوم منذ أزلٍ في شخص السيد المسيح هو تمكين الإنسان من الاشتراك في روح ونور الله (عظة 2:1). هذا النور يُحوِّل الإنسان إلى ناظرٍ دائمٍ إلى الأمام، فيصبح «حياً» (Prospon) لا يَستَسلم إلى الماضي، بل يَستَشرف على المستقبل. فالمختبرون في شركة الروح القدس، وفقًا لمقاريوس، لا يَنظرون إلى الوراء؛ إنما يَسيرون إلى الأمام في كلِّ اتجاه، ولا يَتركون أي جزءٍ خلفهم (عظة 2:1).

ويعود السبب في قدرة الإنسان على النظر إلى الأمام إلى «الجمال الذي يفوق الوصف» لمجد نور السيد المسيح. إنّ هذا الجمال يُثلج قلب الآب عندما نتأمل وجه النور، وجه ابنه الوحيد الذي به سُرّ. كما يُبهج الروح القدس حين يشهد في قلوبنا لسيدنا المسيح، فيُقَدِّم لنا ما له من سرٍّ ويهمس به في «أورشليمنا الداخلية»، لتَنَالَ الروحُ الموهبة غير المائتة.

نحن إذن إلهيون من جهة، وتاريخيون من جهة البشرية. نسير بثباتٍ في مسارنا، فنثبت في ما نسير إليه. فنحن زمانٌ وروحٌ في آنٍ واحد؛ زمانٌ لا يخلو من روح، وروحٌ لا تنفصل عن الزمان (3). نُكرِّز النور في اليهودية والسامرة وأقصى الأرض، فيُعطي الروح القدس للشهادة بُعدًا تاريخيًا، وبُعدًا كونيًا، وبُعدًا شخصيًا.


(2) الرؤية الآبائية لحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة والعالم

خرستوس ياناراس – ترجمة أ. ناجى أسحق

ظهر هذا المقال في كتاب «أعمال المؤتمر السنوي الثاني للدراسات الآبائية» (سبتمبر 1994م).


3‑ الروح القدس والتدبير الإلهي والحس التاريخي للخلاص

يُعلن السر المكتوم تديجيًا للبشر، حيثُ اهتم ربنا يسوع المسيح بخلاص الإنسان منذ البدء، فنفّذ كلَّ تدبيرٍ وعنايةٍ عبر الآباء والبطاركة والناموس والأنبياء، وفي النهاية جاء هو بنفسه، محتملًا عار الصليب ومتحمِّلاً الموت من أجل أن يُولِّد من ذاته ومن طبيعته أولادًا من الروح، لأنّه سُرَّ أن يُولدوا من الروح فوق كلِّ نفسٍ لا إلهية (عظة 2:30).

الروح القدس، روح الـ Qewria، تُعطي للإنسان والكنيسة حسًا تاريخيًا. وقد تكلم الآباء، ومن بينهم القديس مقاريوس، بإسهاب عن التدبير الإلهي منذ السقوط وحتى مجيء المسيح، فظهر في مؤلفاتهم المتعددة تعبير «تاريخ الخلاص». فالروح تعمل منذ السقوط، وتستمر في تاريخ البشرية الساقطة عبر الأنبياء، وتستمر اليوم في قلوب المسيحيين التائبين، وستستمر في المستقبل (عظة 1:11‑6:30‑30، 7‑1:35، 2).

ومن خلال استمرارية عمل روح الله في التاريخ البشري، نقرأ القول المملوء بنبض الروح العامل في كلِّ ظروفه:

«لقد كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع، وكانت تعمل عجائب منظورة؛ وكانت النعمة الإلهية ساكنة فيهم، وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ، والتكلم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة» (عظة 3:50).

هنا يتضح التناسق بين عمل الروح القدس وأحداث العالم العظيمة؛ فـ«تاريخ العالم في اللاهوت الآبائي هو تاريخ عمل الله بالروح في العالم». والله في كلامه مع العالم استخدم «أنواعًا وطرقًا كثيرة» (عب 1:1)، وهو ما يبرهن على تنوّع الوسائل التي يُظهر بها الروح حضورَه الفعّال عبر العصور.


(3) الخولاجى المقدس والثلاث قداسات – إصدار دير السيدة العذراء (المحرق)

صلاة الصلح القداس الباسيلي

انظر أيضًا كتاب «وجه النور» للأب ليف جيلليه.

في الأيام الأخيرة، قال القديس مقاريوس: «كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه، أرسل الروح القدس ليعمل أعمالًا متنوعة في جميع الأعضاء» (عظة 4:12). أي أن الله ما يزال يعمل بروحه في الكنيسة والعالم بطرق ومواهب متعددة.

فالمواهب الروحية هي التي تميز بين المؤمنين في الجسد الواحد، وتُحقق حضور الكنيسة في العالم، وتُعطي للإنسان القدرة على التأمل في التاريخ الروحي.


3‑ الروح القدس والصليب والقيامة ويوم الخمسين

الروح القدس هو الذي يتسلم الفداء ويوزعه، فيلغي الهوة القائمة بين ما مضى وما يحدث الآن، لأن الزمان يعلن كله في أبدية هي اللحظة الحاضرة التي أنقذ فيها الإنسان.

يمثل الصليب والقيامة، عند القديس مقاريوس، الأساس اللاهوتي والتاريخي لانسكاب الروح. ولا يَتَعمَّق في سرد تفاصيل الصلب أو القيامة، بل يَتَجه مباشرةً إلى أثر هذه الأحداث في الرسل، وفي المسيحيين، وفي الكنيسة، وفي العالم. فكما قال:

«الرسل أنفسهم قبل الصليب، بملازمتهم للرب، رأوا آيات عظيمة؛ كيف كان البرص يتطهر والموتى يقومون؛ لكنهم لم يكونوا يعرفون كيف تدخل القوة الإلهية وتتمم خدمتها في القلب، وكيف يُولدون ثانية بالروح ويشتركون مع النفس السماوية ويصيرون خليقة جديدة» (2 كو 17:5).

ثم أضاف: «ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه في شخصه. والرب قال عنهم: لماذا تتعجبون من الآيات؟ إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله» (عظة 17:12).


4‑ من حب الاندهاش إلى الحب بالروح

بهذا الفهم المتكامل، ينتقل المؤمن من مجرد إعجاب بالمعجزات إلى حبٍّ عميقٍ يتجذر في الروح، حيث يصبح الحب وسيلةً لتجسيد حضور الروح القدس في حياته اليومية، وفي مشاركته الفعّالة مع تاريخ الخلاص الذي يكتبُه الله عبر الأجيال.

من الغموض إلى الوعي بالذات ومن الرؤية الإلهية إلى التاريخية

يصف القديس مقاريوس مشاعر الرسل قبل صعيد الخمسين، فيُظهر أن تلك المشاعر كانت مزيجًا من الانبهار والإعجاب. وهذا يتقاطع مع ما يصفه العهد الجديد لجماعة المؤمنين بعد الصليب: إنّ الانبهار لا يَتَحَوَّل إلى قرارٍ ثابتٍ. بل إنّ كلمات المخلص بدت غريبةً على الرسل حتى صعد "الذي بنى الأموات وصعد بجسده إلى أعلى السموات من أجلنا"، ثم انسكب الروح المعزى فدخل في نفوسهم واختلط بهم. عندئذٍ يَظهر الحقُّ ذاته في النفوس الصادقة والمؤمنة، فيأتي الربّ "الذي هو الإنسان السماوي" ويُصبح شريكًا مع كل إنسان، وشريكًا معكم (عظة 17:12).

ويُضيف القديس مقاريوس: "نحن، من خلال جسد الابن الوحيد المتحد باللاهوت، والذي هو دائمًا مع الروح القدس، نصير دائمًا مع الرب" (عظة 4:17).

في اليوم الأول من الخلق، "يرفّ الروحُ القدس على وجه المياه" (تكوين 1:2) ليُعطي الحياة للخليقة. ثم حلّ الروح على السيدة العذراء، ممثِّلة البشرية جمعاء، لينفخ في أحشائها الحياة البشرية، فتتجسد اللوغوس الإلهي. وفي يوم الخمسين، منحه الروح للرسل ليجعل منهم "الجسد الحى للبشرية الجديدة" التي هي حياة الشركة الكنسية.

هنا، الروح القدس يَنشئ الكنيسة ويُقيمها في المسيح عبر التاريخ، فتتحقق الشركة الإلهية في زمنٍ واقعيٍ ومُستمر.


5‑ الروح والعروس

الروح القدس هو روح الشركة وروح الكنيسة. يركّز القديس مقاريوس دائمًا على القاعدة الرسولية للكنيسة، أي البُعد التاريخي للرؤية السماوية، ويُشير إلى أن "تعليم الرسل قد دشن عالماً جديدًا مختارًا من الله" (عظة 6:6).

وعند تفسير الآية الخاصة بيوحنا المعمدان (مت 11:11)، يقول القديس:

"حقًا من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا… فهو تكميل الأنبياء وخاتمتهم. كل الأنبياء تنبأوا عن الرب وأشاروا إليه من بعيد، أما يوحنا فَنَبَّأ عن المخلص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوت عالٍ: «هوذا حمل الله» (يو 29:1). لا يوجد أعظم من يوحنا في مواليد النساء، لكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه (مت 11:11)؛ أي المولودين من الله من فوق، أي الرسل الذين نالوا باكورة الروح المعزى، لأنهم حسبوا أهلًا لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة. هم بذلك صاروا محررين ومنقذين للناس، فوجدوا أنفسهم فلاحين في كرم النفوس وأصدقاءً للعريس" (عظة 6:28، 7).

في قراءة خرستولوجية (typology) للعهد القديم، التي ميزت كل اللاهوت الآبائي، يذكر القديس مقاريوس الآباء الرسل قائلاً:

"وكان رئيس الكهنة له على صدره حجران كريمان، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الأثنى عشر (خر 10:28). وكان هذا ليكون رمزًا ومثلاً (typos) لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل، فأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم أجمع. هكذا يُظهر الظل الحقيقة" (عظة 5:32).

هذا المثال يُظهر الوحدة بين الحس الروحي والحس التاريخي عند الآباء.


6‑ الكنيسة واقتناء الروح القدس

اللاهوت هو امتداد لشهادة martyria (شهادة المسيح) في الكنيسة وتحقيق لها في العالم والتاريخ. ولذلك، يُعبّر اللاهوت عن حضور يوم الخمسين الدائم في الكنيسة من خلال وحدتها وتمايز مواهب أعضائها. هذا التمايز في المواهب يُستند إلى احتياجات الإنسان، ويظهر الوعي بعمل الروح التجديدي على جميع أعضاء جسد الكنيسة، ومن ثم على جسد البشرية جمعاء.

بهذا، تتحول نعمة الشركة الأفخارستية إلى مواهبٍ في أعضائها، وتُرسّخ هذه المواهب في لاهوتٍ يدعمها ويؤسس لها ويحفظها داخل شركة الكنيسة.


ملحوظة: انظر إلى «خرستوس ياناراس» ص 1، وكذلك إلى عظة 6:6، 7.

القديس مقاريوس وأسرار الكنيسة

القديس مقاريوس، كغيره من آباء الكنيسة، يدرك تمامًا أهمية الكنيسة وأسرارها في «نقل» النعمة السماوية إلى البشرية. فبهذا الفهم نواجه أعمق تجسيد للرؤية في تاريخ البشر؛ فالأسرار تجعل الكنيسة «خلقةً جديدةً» تُنقِذ أولادها المستنيرين بالمعمودية، وتزرع فيهم بذرة الحياة الجديدة بالتوبة، وتُقوِّيهم بالمواهب في الشركة الأفخارستية والخدمة، لتصبح شهادةً حيةً على الخلاص.

يُعرِّف القديس مقاريوس أسرار الكنيسة بأنها «الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن» (1 كو 2: 9) – أي ما أعلنَه الله لكنيسته بالروح. في ذلك الزمان، كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المخلص سيأتي، لكنهم لم يدرِوا، ولا سمعوا، أنه سيتألم، يُصلَب، ويسفك دمه على الصليب، ولا تخطر على بالهم فكرة المعمودية بالنار والروح القدس.

في الكنيسة تُقدَّم تقدمة الخبز والخمر لتتحقق حقيقة جسده ودمه. تُعَدُّ الأفخارستيا أعمق مثال على الاتحاد الكامل بين النظرية والتاريخ عند الآباء. كما تقول الديداكي: «الكنيسة تجمع الحنطة من على الجبال، أي ثمرة عمل الإنسان، وتقدِّمها للرب على المذبح لكي يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه…». ويضيف عالم الآباء ألكسندر شميمن في كتابه عن الأسرار (ص 4): «نُقدِّم إلى الله العالم كله وتاريخ البشر في هيئة الخبز والخمر، ليُقدِّسها ويعيدها إلينا متحدة بروحه وجسده ودمه؛ فإن الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا».

بهذا، ينال الرسل والمسيحيون «المعزى ويتأيدون بالقوة من الأعالي» (لو 49: 24) ويُمتَلئون إلى كل ملء الله (أف 2: 2). تُختلط نفوسهم بالروح القدس وتتشبع به، وهو ما لم يكن معروفًا للأنبياء ولا للملوك. الآن، يتمتع المسيحيون بغنى عظيم يختلف عن غيره، وتشتاق قلوبهم إلى الله (عظة 17: 27).

في العظة الثالثة عشر، يُؤكِّد القديس مقاريوس ضرورة تكريس القلب والاستعداد لنوال الأسرار السماوية، فيُعطي الرب «الطعام السماوي والشراب الروحي» (1 كو 4: 10). الجسد والدم هو طعام البنين (يو 35: 8). وعندما يذهب الأولاد مع يسوع والدهم في كل مكان، «يعطيهم ذاته». قال يسوع: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه» (يو 6: 56)؛ كما أضاف: «لا يرى الموت» (يو 5 1: 8). تُعَدُّ المعمودية ممارسة زمنية وعطية الروح القدس، أي «الزمن الجديد».

تعاليم أخرى للقديس مقاريوس

في نصوص أخرى، تُبرز العظات الخمسون للقديس مقاريوس علاقة الروح القدس بالكنيسة. وقد أشار إليها العالم الفرنسي الأرثوذكسي Placide Deseille في مقدمة ترجمته الفرنسية لعظات مقاريوس، مُعنوِنًا إياها «اقتناء الخلاص»، مع عنوان فرعي «المعمودية أساس الحياة الروحية». في هذا النص الهام، يجيب القديس مقاريوس على سؤالٍ جوهري: «إذا كانت المعمودية ممارسة حقيقية وأساس الإيمان، فهل ننتظر شيئًا آخر من السماء؟» (يقصد به الامتلاء وشركة الروح التي يذكرها).

الإجابة واضحة: «إننا في المعمودية نأخذ أساس عمل الروح القدس». وهنا تتجلى عظات مقاريوس في وضعها اللاهوتي الصحيح، حيث يُحترم موهبة الله التي حلت في المسيحيين عبر التوبة، الصلاة، والشركة. في «الرسالة الكبرى» يشرح القديس مقاريوس هذا الأساس الكنسي لعمل الروح القدس؛ وفي الفقرة الثانية من الرسالة يُسهب في شرح ضرورة تقديم أجسادهم «ذبيحة مقدسة» (رو 2: 12) ليختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية. يربط بين سر الثالوث والإيمان الأرثوذكسي والاعتراف بالإيمان في المعمودية، قائلاً: «الإيمان الأرثوذكسي يسجد للثالوث ذي الجوهر الواحد والمجد الواحد كما نعترف في السر المقدس للمعمودية».

وفي موضع آخر، يضيف: «إن المؤمنين يقبلون عربون الروح في المعمودية باسم الثالوث، وذلك من أجل أن ننمو في الكمال، كمال الميراث، ومن أجل مضاعفة الوزنة في (مت 15: 25) للسر العظيم». وفي نفس الرسالة يتحدث عن الكنيسة بوضوح أكبر: «إن الروح الإلهي المعزى الذي أُعطى للرسل ومنهم لكنيسة الله في ساعة المعمودية، هذا الروح يتحد بكل من يتقدم للمعمودية بإيمان صادق». وبالتالي، إن إنكار الأسرار أو تقليل شأنها يُعد تقليلًا من شأن الكنيسة، وبالتالي من الحضور التاريخي الفعلي للروح في العالم. فالكنيسة ليست مؤسسة دنيوية، بل هي امتداد ملكوت الله (اللاهوت) على الأرض (الأستوريا).

«إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كقيام في السماء يا والدة الإله، أنت هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة» (من صلوات الأجبية المقدسة).

روح الشركة

يُعرّف القديس مقاريوس حياة الشركة بأنها:

  1. الشركة الأخوية (عظة 3).
  2. المدينة السماوية (عظة 2: 12).

بهذا الفهم المتكامل، تُظهر تعاليم القديس مقاريوس كيف أن الأسرار، وخاصة المعمودية والأفخارستيا، تُشكِّل محور حياة الكنيسة الروحية، وتُقوِّي المؤمنين لتجسيد حضور الروح القدس في كل زمان ومكان.

(جـ) العائلة السماوية (عظة 23)

*«والكنيسة السماوية هي واحدة، ولكن فيها أعداد لا تُحصى، وكلُّ شخصٍ فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدةٍ خاصة؛ فكما أن الطيور تخرج من أجسادها غطاءً هو ريشها، إلا أن هناك اختلافاتٍ كبيرةً بين الطيور نفسها… هكذا القديسون؛ فأنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت، ولكن بطرقٍ متنوعة… فإن الروح إذا أتى إلى القلب يصنع فكرًا واحدًا؛ فإن الذين فوق والذين أسفل هم تحت تدبير وقيادة روحٍ واحدٍ» (عظة 3:32).

تُظهر هذه الفقرة أن الكنيسة السماوية، رغم توحّدها في الإيمان، تتنوّع في تجليات الروح القدس بين أعضائها، تمامًا كما تتنوّع ألوان الريش بين الطيور. هذا التنوع لا يُفقدها وحدةً لاهوتية، بل يُثريها ويجعل كلّ عضوٍ يَحْصُلُ على “مجد الروح” بطريقته الخاصة.


التوازن بين المؤسسة والخاريسما (الموهبة) بين الروح والتاريخ

منذ نشأة الكنيسة الأولى، واجهت مسألةً جوهريةً تمثّلت في ضرورة جمع جميع المواهب حول سرِّ الأفخارستيا والأسقف. تُظهر رسائل بولس والآباء الرسوليين، وكذلك لاهوت أغناطيوس الأنطاكي، أن هذا الجمع هو أساس الانسجام بين المواهب (الخاريسما) والإدارة الكنسية.

  • الأفخارستيا هي مركز كل حركةٍ كنسيةٍ في التاريخ؛ فهي تُعطي الروح القدس القدرة على توحيد القلوب وتوجيه الأعمال.
  • الباحث الأمريكي بيتر براون حذر من خطر “روتنة المواهب”، أي تحويلها إلى نمطٍ ثابتٍ يفضي إلى انقسامٍ بين الإدارة الكنسية والمواهب الروحية. وقد استشهد بأفلاطون قائلاً: «ليت الفلاسفة يحكمون والحكام يتفلسفون».
  • الآباء الكبار طبقوا هذا المبدأ في حياتهم العملية: فكان اللاهوتيون هم من يديرون شؤون الكنيسة، فأصبحت الإدارة نفسها خاريسما—أي موهبةً روحيةً لا تُنفصل عن الإدارة.

وبالتالي لا يُوجد تضاربٌ بين «خادم النادى» و«خادم الكلمة» أو «خادم أخوة الرب». كل عملٍ كنسيّ يتحول إلى عملٍ خريسماتيكي ينبع من روح التوبة والشركة. عندما يتحدّث القديس مقاريوس عن مريم ومرثا، يؤكّد على هذه الوحدة (عظة 16:12).

وفي تعبيرٍ رائعٍ عن هذا التوازن، يقول مقاريوس:

«فمهما كان انشغال الأخوة، فينبغي أن يقوموا به في محبةٍ وبشاشةٍ نحو بعضهم البعض؛ فالذي يشتغل منهم فليقل عن الذي يصلي: «الكنز الذي يجده أخي هو كنزٌ مشتركٌ، فلذلك فهو كنزي». والذي يصلي يقول عن الذي يقرأ: «كل ما استفاد أخي من القراءة هو لمنفعةِّ». والذي يعمل فليقل: «ما أعمله من الخدمة (diakonia) هو لمنفعة الجميع».

ويضيف مقاريوس أن كلّ إنسانٍ يجب أن يحصل داخل نفسه على «كنزٍ» لا يزول، وهو الروح القدس (عظة 3:3). فسواء كان الإنسان يشتغل أو يصلي أو يقرأ، يظلّ مستحقًّا لهذا النصيب الروحي الثابت.

إنّ الوحدة بين المواهب والكنيسة وأبائها تُظهر وحدةً بين عمل الروح والواقع التاريخي، بين النظرية (الثيولوجيا) والتاريخ (الإستوري).


الصراع بين الأنبياء والكهنة في سياقٍ بروتستانتي

يُشير النص إلى أن العداء بين الأنبياء (حاملين للروح) والكهنة (خدام الطقوس) – أي بين النعمة وتجسيدها التاريخي في الأسرار والكهنوت – لا يرتبط بالتراث الأبائي، بل هو نتاج قراءةٍ بروتستانتيةٍ للكتاب المقدس خلال عصر الإصلاح.

  • في العهد القديم، كان النبِيّ يُنظر إليه كـ«ابن بيئته الطقسية»، وكان نقد الأنبياء يتركّز على الممارسة الشكلية للطقس وليس على الطقس ذاته.
  • الصراع بين المواهب والمؤسسة، بين النبيّ والكاهن، نشأ في ظروف عصر الإصلاح البروتستانتي (انظر Louis Bouyer, Gnosis, La connaissance de Dieu dans L’Écriture, CEIF 1988, ص 26).
  • لا نجد دليلًا لهذا الصراع في كتابات الآباء؛ فكانت الكنيسة تحافظ على المواهب وتُحافظ على توازنها داخل الإطار الكنسي (انظر 1 كُورنثوس 12).

الجهاد الروحي والواقعية الآبائية

في ظلّ هذه الأجواء الروحية المقاريوسية – أي الطوباوية – يبرز مفهوم الجهاد الروحي كغايةٍ أساسية. كثيرًا ما يتحدّث القديس مقاريوس في عِظَاته عن ضرورة اشتراك الإنسان في العمل مع الروح القدس:

«فليغصب كل واحدٍ منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أيضًا أن ينال ويجد كنز الروح السماوي؛ لكي يتمكّن بدون صعوبةٍ من تطبيق كل وصايا الرب بنقاوةٍ وبلا لوم… تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك مهما غصب نفسه». (عظة 3:18‑19)

وفي عظة 25، يؤكّد الحاجة إلى قوة الصليب، معتبرًا أن الحياة على الأرض باطلةٌ بلا هدفٍ إذا لم تستند إلى قوة الله؛ فالتاريخ بلا رؤيةٍ إلهيةٍ يفتقر إلى المعنى (عظة 2:25).

القديس مقاريوس يميز بين الجهاد الذاتي والجهاد بالروح (عظة 21:26):

«الأشياء التي تعملها بنفسك هي حسنةٌ مقبولة أمام الله، لكنها ليست نقيةً تمامًا؛ فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبةً كاملةً؛ حينما يأتي الرب إلى داخلك، يمنحك محبةً سماويةً غير متغيرة».

منذ سقوط الإنسان، صارت تربة القلب البشري تنبت شوكًا وحسكًا؛ يَعمل الإنسان فيها ويتعب، ومع ذلك تستمر الأشواك في النمو.

(تك 18:3) إلى أن يأتي الروح نفسه «ويعين ضعفات الإنسان» (رو26:8)؛ يزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب فيُفلحها، ومع ذلك يظلّ الحسك والشوك ينبتان مرةً أخرى. ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس، ولا يزالُ الشوكُ يبرزُ.

بهذا الفهم المتكامل، يتضح أن الجهاد الروحي لا يقتصر على النضال الفردي، بل هو مشاركةٌ فعليةٌ بين الروح القدس والإنسان، تُثمر ثمار الروح بسهولةٍ وراحةٍ عندما تُقَدَّمُ الثقةُ والإيمانُ والصبرُ كوسائلٍ للغذاء الروحي.


ملاحظة: جميع الاقتباسات والمرجعيات المذكورة في النص الأصلي تم الحفاظ عليها دون تعديل، وتم تحسين الصياغة والنحو وتوضيح الأفكار لتصبح أكثر سلاسةً ووضوحًا.

الواقعية الأبائية في فهم النعمة والطبيعة البشرية

تظهر الواقعية الأبائية جليًا في أنَّ حصول الإنسان على النعمة لا يُغيّر طبيعته الأصلية؛ فالمُشدِد يبقى على شدّته، والرقيق يظل رقيقًا (عظة 5:26). وهذا الثبات لا يقتصر على الحياة الدنيوية فحسب، بل يمتد إلى قيامة الأجساد حيث يظل كلُّ إنسان محتفظًا بطبيعته كما هو (عظة 10:15).

إن سرّ الخلاص عند الأباء يكمن في إِطلاق طاقة الإنسان لتتحول إلى أعمالٍ خَلاقةٍ وإبداعاتٍ تشهد على المسيح. فالمؤمن لا يقتصر على تلقي النعمة فحسب، بل يُستَخدمها في بناء حياةٍ روحيةٍ نشطةٍ تُظهر حضور المسيح في كل فعل.

وبالنسبة للقديس مقاريوس، فإن الحياة الروحية هي مسيرةٌ لا تنتهي. يوضح مقاريوس أنَّ السبب الأساسي للخطية هو اعتقاد كثيرٍ من الناس أنهم قد وصلوا إلى الكمال واكتفوا بما وصلوا إليه، متظاهرين أن هذا يكفي. إلا أن الرب لا نهائي ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة؛ ولا يجرؤ المسيحيون على القول «لقد أدركنا» (فى 13:3). بل يظلّون يطلبون بهدوءٍ وتواضعٍ، معترفين بحدود علمهم وإدراكهم.

ويُظهر القديس مقاريوس كذلك أنَّ أمور الحياة نسبية. يروي مقاريوس أنَّ الإنسان المتعلم قليلًا، إذا ذهب إلى قريةٍ لا يملك أهلها إلا الجهل، يُعجب به الناس ويُثنون عليه كعالمٍ عظيمٍ، لأنهم لا يدركون ما هو علمٌ حقيقي. أما إذا سافر نفس هذا الإنسان إلى مدينةٍ يَتَجَمَّع فيها العلماء والخطباء، فإنّهم لا يُظهرون له أي تقدير، بل قد يصفونه بالجاهل لأنّ معاييرهم للمعرفة أعلى بكثير (عظة 17:26). وبالتالي، لا تُرتقِي المعرفة البشرية مهما ارتفَعَ مستواها إلى معرفة كل شيء.

الأباء كذلك أبدوا إعجابهم برؤية الرسول بولس للأمور الآن في مَراه، كما جاء في رسالة كورنثوس الأولى (1 كو 10:13). فالرؤية المسيحية تُظهر أنَّ التاريخ والأحداث لا يكتسبان معانيهما إلا من قصدها النهائي، أي من منظور الإسخاتولوجيا. وهذا يتضح من قول الرسول في موضع آخر: «فإننا ننظر الآن في مراه في لغز، لكن حينئذٍ وجهًا لوجه؛ الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذٍ سأعرف كما عرفت» (1 كو 12:13).

إذن، المعرفة عند الأباء هي معرفة إسخاتولوجية المدى؛ فهي ترتكز على فهم النهاية الإلهية وتوجيه الحياة نحوها. ومن هنا، يستمد تأمل الأباء والشيوخ في الموت كل قوّته، إذ يُنظر إلى الموت كنافذةٍ تُظهر الحقيقة الأخيرة للخلق وتُكمل الصورة الإسخاتولوجية للإنسان.

بهذا الشكل، تُظهر الواقعية الأبائية أن النعمة لا تُغيّر طبيعة الإنسان، بل تُحَفِّزُه على استثمار طاقته في أعمالٍ تشهد على المسيح، وتُؤكِّدُ على أنَّ الفهم البشري يبقى دائمًا محدودًا ومقيدًا بطبيعة المعرفة النسبية، بينما يبقى الهدف النهائي هو المعرفة الإسخاتولوجية التي تُقَدِّمُ الإنسان إلى اللقاء الوجهي مع الله.

Post a Comment

أحدث أقدم