كاتبة مسلمة تكتب عن صيام المسيحيين

كاتبة مسلمة تكتب عن صيام المسيحيين

صيام المسيحيين

يستند حديث السيد المسيح عن الصوم إلى ما ورد في إنجيل متى، الإصحاح السادس، الآيتين 17‑18:

«وَأَمَّا أَنْتُمْ فَإِذَا صُمْتُمْ فَلاَ تُصَلُّوا كَذَلِكَ، بَلْ اغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَاغْسِلُوا وَجُوهَكُمْ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرُوا لِلْنَّاسِ صَائِمِينَ، بَلْ لأَبِيكُمْ الَّذِي فِي السِّرِّ. وَأَبُوكُمُ الَّذِي يَرَى فِي السِّرِّ يُجَازِيكُمْ» (متى 6: 17‑18).

من هذا النص يتضح أن الصوم في التقاليد المسيحية يُقصد به أن يُقَامَ في الخفاء، لا لتظهر للناس مظهر الصائم، بل ليتقرب الصائم إلى الله في سرٍّ خالصٍ لا يشتبه به أحد. وعلى هذا الأساس، فإن الصائم لا يُظهر صومه للآخرين ولا يطلب منهم الإعجاب أو التقدير، وإنما يلتزم به كقرّارٍ شخصيٍّ يخصّ الله وحده.

ما هو صوم المسيحيين؟ الصوم عند المسيحيين لا يقتصر على الامتناع عن الطعام فحسب، بل يشمل أيضًا الامتناع عن الملذات الدنيوية، وتكريس الوقت للعبادة، والقراءة الروحية، والصدقة. يختلف توقيت الصوم بحسب الطقوس الكنسية: فمثلاً يصوم معظم الطوائف الأرثوذكسية طوال أربعين يوماً قبل عيد الفصح (الصوم الكبير)، كما يصومون ثلاثة أيام في أسبوع الآلام، وصوم الصوم الصغير (السبت قبل عيد الميلاد) وغيرها من الفترات المحددة في التقويم الكنسي.

السرية والاحترام المتبادل لأن الصوم يُقصد به أن يكون عملاً خفيًا، فإن المسيحيين عادةً لا يعلنون صومهم للآخرين ولا يطلبون منهم إظهار أيّ مظهر من المظاهر الاجتماعية. وهذا لا يعني أن الصائم لا يواجه صعوبات في حياته اليومية؛ بل يظلّ يمارس عمله، يذهب إلى عمله، ويتعامل مع زملائه كأيّ شخص آخر، معتمدًا على إيمانه لتقوية صبره وتحمله.

من هذا المنطلق، فإنّ احترام مشاعر الصائمين لا يقتصر على عدم الإشارة إلى صومهم، بل يشمل أيضًا تجنّب أيّ سلوك قد يُعطّل صومهم أو يُقلّل من قيمته. فمثلاً، لا يجوز للزملاء أن يُقَدِّموا له طعامًا أو شرابًا في وقت الصوم دون استئذان، ولا يجوز السخرية من صومه أو استغلاله كوسيلة للضغط أو الإهانة.

التعامل مع الصوم في المجتمع المتعدد الأديان في مصر، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون في نسيجٍ اجتماعيٍّ واحد، تُظهر التجارب اليومية أن الاحترام المتبادل بين الطوائف يُعَبِّر عنه بأفعال بسيطة: إبداء التقدير للآخرين عندما يعلنون عن صومهم، أو الامتناع عن تقديم الطعام في أوقات الصوم، أو حتى إهداء تهنئة صادقة في المناسبات الدينية للآخرين.

للأسف، ارتفعت في السنوات الأخيرة أصوات التفرقة التي تُظهر نفسها في سلوكيات مثل عدم تهنئة المسيحيين بأعيادهم أو التقليل من أهمية صومهم. إنّ هذه الممارسات لا تعكس القيم الحقيقية للتعايش السلمي ولا تتماشى مع ما يُعلّمه الدينان من محبة وإحسان.

إنّ ما يَسْتَحِقُّ الثناء هو السلوك الذي يُظهر الاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما يَظهر في مواقف كثيرة من الحياة اليومية: من مساعدة الجار في صيامه، إلى مشاركة الفرح في أعياد الطرف الآخر، وإظهار التعاطف عندما يواجه أحدهم صعوبات في الصوم.

خاتمة إنّ صوم المسيحيين، كما يُظهره إنجيل متى، هو عمل خفيّ يُقَرِّبه إلى الله، ولا يُقصد به إظهار التفوق أمام الناس. وعلى كلّ من يَعيش في مجتمعٍ متعدد الأديان أن يَحْتَرِمَ هذا السرّ، وأن يُظهرَ التقدير للآخرين كما يطلبُ منهم أن يُحترم مشاعره. إنّ الاحترام المتبادل، والاعتراف بخصوصية كل طائفة في صومها وعبادتها، هو أساس السلام والمحبة التي دعا إليها الله في كتابه.

نسأل الله أن يوفقنا جميعًا إلى رُوحِ الأخوة والاحترام، وأن تُقوَّى أواصر المحبة بين إخواننا المسلمين وإخواننا المسيحيين، كي يبقى المجتمع المصري مثالًا للعيش المشترك في سلامٍ ووئام.

إلى اللقاء في موضوعٍ جديد.

Post a Comment

أحدث أقدم