تجسد الله في الثقافات والديانات القديمة: رؤية ابونا بيشوي كامل

تجسُّد الله في الثقافات والديانات القديمة: رؤية أبونا بيشوي كامل

تجسد الله في الثقافات والديانات القديمة رؤية ابونا بيشوي كامل

في كتيبه الصغير «لماذا تجسَّد المسيح» يوضح أبونا بيشوي كامل أن فكرة التجسُّد الإلهي لا تقتصر على المسيحية وحدها، وأنّ الإيمان بظهور الله في صورة بشرية يمكن أن يتحقق في قلوب النّاس الطّاهرين حتى دون الاعتماد على الإنجيل. ويستند في ذلك إلى أمثلة من الحضارات والديانات القديمة، مُظهِرًا كيف أنّ فكرة الظهور الإلهي كانت حاضرةً في عقولٍ متعددةٍ عبر العصور.


مقدمة

بمناسبة اعتراف مجمع الكنيسة القبطية بقداسة أبونا بيشوي كامل، نستعرض في ما يلي أبرز الأفكار التي طرحها في كتيبه الصغير، مع التركيز على توسيع الفهم اللاهوتي لتجسُّد المسيح من منظورٍ يتجاوز الحدود الطقسية للمسيحية.


إمكانية الإيمان بالتجسُّد الإلهي خارج الإنجيل

يؤكِّد أبونا بيشوي أن إعلان الله المتجسِّد ليس حكرًا على النصّ الإنجليزي، بل إنّ الإنسان النقي القلب قادرٌ على الإيمان بهذه الحقيقة دون الحاجة إلى الكتاب المقدس أو إلى هوية مسيحية.

  • المصرّيون القدماء: في الديانة المصرية القديمة كان يُعْتَقَد أن الإلهين حور (إله السماء) وبتاح (إله الأرض) يمكن أن يتجسَّدا في هيئة بشرية لتقريب الخالق من خلقه. هذا المفهوم يُظهر أن فكرة التجسُّد لم تكن غريبةً على العقل المصري.
  • الفلسفة اليونانية: أفلاطون (428‑348 ق.م) في حواره «السيمposium» يطرح فكرة أن الروح الإلهية قد تنزل إلى العالم لتُظهر ذاتها للإنسان، وهو ما يُقارب فكرة التجسُّد الإلهي.
  • التصوف: في التراث الصوفي نجد القول بأن الله قد يحلّ في الإنسان، وقد تجسَّدت هذه الفكرة في سيرة الحلاج (858‑922 م) الذي عُرف بتصريحاته عن الاندماج الكامل مع الله.

بهذا الشكل، تُظهر الأدلة التاريخية أن فكرة ظهور الله في صورة بشرية كانت موجودةً في عقولٍ متعددةٍ، مما يدعم فكرة أبونا بيشوي بأن التجسُّد ليس حكرًا على المسيحية.


بذور اللوغوس في كل البشر

يستشهد أبونا بيشوي بقول القديس يوستينوس (المعروف بـ«القديس يوستينوس المريسي») القائل: «بذور اللوغوس مزروعة في كل البشر». المقصود هنا أن كلمة الله (اللوغوس) قد سُقِطَت في قلوب جميع الناس، فكلُّ إنسانٍ يملك القدرة على استشعار حضور الله والسعي إلى معرفة ذاته.

هذا المفهوم يتقاطع مع الفكرة القبطية القائلة بأن الروح القدس يزرع في كل إنسان «نقطةً من النور» (πνεῦμα φωτός) تُمكِّنُه من الاقتراب من الله، مهما اختلفت المعتقدات الظاهرية.


نبوات الأنبياء عن التجسُّد

في ختام كتيبه يُشير أبونا بيشوي إلى أن الأنبياء قد تنبأوا بظهور المسيح المتجسِّد قبل آلاف السنين. من أبرز هذه النبوءات ما ورد في سفر إشعياء:

«لذلك يعطيكم الرب نفسه آيةً: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل» (إشعياء ٧: ١٤، ترجمة فاندايك).

كما يُستدل على نبوة أخرى في إشعياء ٩:٦:

«لأنّنا ولدنا طفلاً، وأعطيناه سنامًا، واسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا أقوى، أبًا أبديًا، رئيس سلام» (إشعياء ٩: ٦، ترجمة فاندايك).

هذه الآيات تُظهر أن فكرة ولادة المسيح من عذراء، وتأكيد صفاته الإلهية، كانت مُعلَّنةً في النصوص اليهودية قبل مجيئه، ما يُؤكِّد أن النبوة المسيحية ليست اختراعًا لاحقًا بل استكمالًا لتلك الوحيّات القديمة.


خاتمة

يُعيد أبونا بيشوي في كتيبه «لماذا تجسَّد المسيح» إظهار أن إمكانية الإيمان بالتجسُّد الإلهي لا تقتصر على المسيحيين، بل هي فكرة متجذرة في ثقافاتٍ وحضاراتٍ متعددةٍ. إنّ «بذور اللوغوس» التي زرعها الله في كل البشر تجعل من كلّ إنسانٍ قادرًا على استشعار حضور الله، والأنبياء الذين سبقوا المسيح قد تنبأوا بظهوره من عذراء، مؤكدين أن التجسُّد هو حقيقة إيمانية تتجاوز حدود الديانة الواحدة.

بهذا الفهم الشامل، يُثري أبونا بيشوي كامل رؤيتنا للـ«تجسُّد الإلهي» ويُظهر كيف أن التراث القبطى يواصل الحوار مع التراث الإنساني العام، مؤكدًا على وحدة الرسالة الإلهية عبر العصور.

Post a Comment

أحدث أقدم