الأنبا مكسموس: ملاك كنيسة أتريب وعالم اللغة القبطية

الأنبا مكسموس: ملاك كنيسة أتريب وعالم اللغة القبطية


مقدمة

الأنبا مكسموس: ملاك كنيسة أتريب وعالم اللغة القبطية

يُعَدُّ الأنبا مكسموس أحد أبرز شخصيات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في القرن العشرين، إذ ترك بصمة لا تُمحى في خدمة الكنيسة وشعبها. عُرِف بعلمه الواسع في اللغة القبطية، وبإخلاصه المتواصل في رعاية المؤمنين، فكان مثالاً حيًّا على الجمع بين الفهم اللغوي العميق والروح الرعوية النابضة. في ما يلي نستعرض سيرة حياته الحافلة بالعطاء، بدءًا من نشأته في قرية أخميم، وصولاً إلى وفاته في عام 1992.

يوحنا 13:34 – «أُعْطِي لَكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ» (فاندايك).

هذه الوصية المسيحية تلخّص روح خدمة الأنبا مكسموس التي تجسّدت في محبّته للناس كما أحبّهم المسيح.


نشأة روحية ورهبنة مبكرة

وُلد الأنبا مكسموس عام 1911 في قرية أخميم بمحافظة أسيوط، في أسرة تُعلي من قيمة الإيمان والطقوس الكنسية. منذ صغره أظهر ميلًا واضحًا إلى الوحدة والتأمل، فكان يقضي أوقاتًا طويلة في قراءة الصلوات والكتب الروحية. في عام 1932، انضم إلى دير السيدة العذراء بالمحرق، حيث تُرهب تحت اسم «الراهب أنجيليوس المحرقي». خلال تلك الفترة تعلّم قواعد الزهد والرّقابة الروحية، ما أسس له قاعدة راسخة للانطلاق في مسيرته اللاحقة.


مسيرة حافلة بالخدمة

تدرّج الأنبا مكسموس في المناصب الكنسية بجدٍّ وإخلاص، فابتُدئ كقسّ ثم ارتقى إلى رتبة القمص، وتولى منصب وكيل دير المحرق. سعى إلى تعزيز مستواه العلمي فالتحق بمدرسة الرهبان اللاهوتية بحلوان، وتخرّج منها عام 1958. أظهر قدرة استثنائية على إتقان اللغة القبطية واللغة الأمهرية، فأسس لتدريس اللغة القبطية في المدارس القبطية، وأصبح معلمًا يُعتمد عليه في نقل التراث اللغوي إلى الأجيال الجديدة.

بعد نياحة القمص ميخائيل مينا، تولّى منصب ناظر المدرسة القبطية، فكان مسؤولًا عن تنظيم المناهج وتوجيه الطلبة نحو الفهم العميق للكتاب المقدس والطقوس الكنسية.


اختياره للأسقفية

اختاره البابا يوساب الثاني لتولي منصب أمين المكتبة البطريركية، ثم شُغِلَ منصب سكرتير روحي لقداسته، ما أظهر ثقة القيادة في قدراته الإدارية والروحية. عقب نياحة البابا يوساب، رُشّح للمنصب البطريركي عام 1959، وحصل على ثاني أعلى الأصوات في الانتخابات. إلا أن «القرعة الهيكلية» اختارت القمص مينا المتوحد، الذي صُنع لاحقًا البابا كيرلس السادس.


الخدمة في الكويت وسيامته أسقفًا

أرسل البابا كيرلس السادس الأنبا مكسموس إلى الكويت لتأسيس أول كنيسة قبطية هناك، فكان رائدًا في بناء الجسور بين الجالية القبطية المتنقلة والكنيسة الأم. في عام 1963، تمّت سيامته أسقفًا للقليوبية تحت اسم «الأنبا مكسموس». واجه في بداية خدمته نقصًا حادًا في الموارد المالية، لكنه بجهده وإخلاصه تمكن من بناء مقر للمطرانية وتأسيس عدة كنائس في الإيبارشية، ما ساهم في توطيد حضور الكنيسة القبطية في المنطقة.


إنجازات رعوية واجتماعية

تميزت فترة رعاية الأنبا مكسموس لإيبارشية القليوبية بمجموعة من الإنجازات التي امتدت إلى الجوانب الروحية والاجتماعية:

  • رسامة عدد كبير من الآباء الكهنة، حيث حرص على اختيار رجال ورهبان ذوي كفاءة روحية وعلمية.
  • رعاية إيبارشية المنوفية مؤقتًا بعد نياحة مطرانها، ما أظهر مرونته في تحمل المسؤوليات الإضافية.
  • المشاركة الفعّالة في العديد من اللجان المجمعية، مما ساهم في اتخاذ قرارات هامة تخص حياة الكنيسة.
  • بناء كنائس عديدة في المدن والمراكز الريفية، لتقريب الكنيسة من المؤمنين في كل مكان.
  • سيامة أسقفين مساعدين له لتسهيل إدارة الإيبارشية وتوزيع المهام الرعوية.
  • تأسيس مراكز خدمية واجتماعية تهدف إلى رعاية الفقراء والمحتاجين، وإلى تقديم الدعم التعليمي والصحي للمجتمع.

عشقه للغة القبطية ودقة الطقس

كان الأنبا مكسموس معروفًا بـ«أسقف الرسامات»؛ فقد كان يتقن اللغة القبطية إلى درجة تمكنه من شرح النصوص المقدسة بدقة، كما كان حريصًا على إتقان الطقوس الكنسية وفقًا للسنن الأرثوذكسية. كان يولي اهتمامًا خاصًا لطقوس الرسامة، فكان يُعنى بتدريب الكهنة على أداء هذه الطقوس وفقًا للمعايير التقليدية، ما ساعد على الحفاظ على هوية الطقوس القبطية عبر الأجيال.


ملاك كنيسة أتريب

ارتبط الأنبا مكسموس ارتباطًا وثيقًا بكنيسة العذراء بأتريب، فكان يُلقّب بـ«ملاك كنيسة أتريب». تُشير بعض الروايات إلى أن صلاته في تلك الكنيسة التي بُنيت تحت الأرض كانت ذات أثرٍ روحانيٍّ عميق، وأنه كان يزورها بانتظام لتجديد الروح. في عام 1968، ترأّس لجنة علمية للبحث عن بقايا الكنيسة، وأسفرت جهود اللجنة عن اكتشاف بعض الآثار التي تدلّ على وجود الكنيسة في العصور القديمة، مما أعاد إحياء الذاكرة التاريخية لتلك البقعة المقدسة.


علاقته بدير مارمينا بمريوط

كان للأنبا مكسموس علاقة وثيقة بدير الشهيد العظيم مارمينا العجايبي بمريوط؛ فكان يقضي معظم وقته في الدير متعبدًا، يشارك في صلوات الصباح والمساء، ويُعنى بتدريب الرهبان الجدد على الحياة الرهبانية الصارمة. وكان الأنبا مينا آفا مينا يستعين به دائمًا في طقوس رسامة الرهبان الجدد، ما يعكس مكانته كخبير في هذا المجال.


نياحته وذكرياته

تنيح الأنبا مكسموس عام 1992، مخلفًا وراءه إرثًا روحيًا غنيًا لا يزال يُستشهد به في حلقات التعليم والرعاية الكنسية. تُخلِّد ذكراه المآتم والاحتفالات السنوية، وتُروى قصصه بين الأجيال كمنارةٍ تُنير طريق الخدمة والالتزام.


خاتمة

يُمثِّل الأنبا مكسموس نموذجًا فريدًا للأسقف المتفاني الذي جمع بين العلم والروح، وبين حب اللغة القبطية والالتزام الدقيق بالطقوس الكنسية. سعى دومًا إلى تأسيس مشاريع خدمية تلبي احتياجات الشعب، وكان مثالًا يُحتذى به في الإخلاص والجدية. إن سيرته تُعدُّ مصدر إلهامٍ لأجيالٍ متلاحقة من أبناء الكنيسة القبطية، وتستمرّ رسالته في إرشاد المؤمنين إلى طريق الخدمة والمحبة.

Post a Comment

أحدث أقدم