
معلومات لأول مرة تعرفها عن كنيسة القيامة
العائلة المسلمة الحاملة لمفتاح الكنيسة
تُعَدُّ عائلة أديب جودة الحُسيني (الحسينى) من أبرز العائلات المسلمة التي تربطها صلة وثيقة بالمسيحيين في الأراضي الفلسطينية، وذلك لامتلاكها أمانة مفتاح كنيسة القيامة وختم القبر المقدس. تعود هذه الأمانة إلى عهد القائد صلاح الدين الأيوبي، وقد توارثتها الأجيال حتى وصل إليها الآن السيد أديب جودة الحُسيني. يجيب السيد أديب على مجموعة من الأسئلة التي تهم القارئ حول هذه المسؤولية الفريدة.
■ ما هي مواصفات المفتاح الذي تُحافظون عليه منذ قرون؟
المفتاح عبارة عن قطعة من الحديد الصلب، يبلغ طولها نحو ثلاثين سنتيمترًا ويزن مئتي وخمسين جرامًا تقريبًا. استلمنا المفتاحين من يد السلطان صلاح الدين الأيوبي؛ الأول تعرض لكسر جزئي قبل ما يقرب من خمسمائة عام وما زال محفوظًا كقطعة تاريخية، بينما يُستَخدم المفتاح الثاني في الوقت الراهن وهو في حالة ممتازة لا تشوبها شائبة. يُحفظ المفتاح في صندوق جلدي مغطى بغطاء من القماش القطني، ويُفتح فقط في المناسبات الرسمية التي تُحدِّدها العادات المتبعة في الكنيسة.
■ متى تولّت عائلتكم أمانة مفتاح كنيسة القيامة والقبر المقدس؟
بدأت الأمانة منذ عام 1187 م، عندما استولى القائد صلاح الدين الأيوبي على القدس وأمر بتسليم المفتاح إلى عائلة موثوقة لضمان حفظ الباب المقدس من أي تعديات. انتقل هذا الواجب من أبٍ إلى ابنه، ومن جَدٍّ إلى حفيده، حتى توليتُ المسؤولية بعد وفاة والدي رحمه الله، الذي توفي في عام 1992 م. ومنذ ذلك الحين نُدير هذه الأمانة وفقًا للتقاليد المتوارثة والوثائق السلطانية التي تحكمها.
■ هل صحيح أن تسليم مفتاح الكنيسة كان في عهد عمر بن الخطاب؟
هذا الادعاء غير صحيح تمامًا. إنما عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسلّم مفاتيح القدس العامة، ولم يُسلم مفتاح الكنيسة. لا توجد أي إشارة إلى ذلك في كتب التاريخ الإسلامي أو المسيحي، ولو كان صحيحًا لكان مذكورًا في المصادر العهدية. نُذكِّر أن عمر بن الخطاب صلّى في القدس على بعد مسافة قصيرة من الكنيسة، لكنه رفض الصلاة داخلها احترامًا للقدسية المسيحية. وتُظهر 165 فرمانًا سلطانيًا صادرة عن 28 سلطانًا مختلفًا من حكام بيت المقدس أن عائلتنا تحتفظ بسجلات دقيقة تُثبت صحة الأمانة وتاريخها.
■ ما هو دوركم في المناسبات والأعياد المسيحية المختلفة بالقدس؟
في كل مناسبة دينية، نتواجد في مقدمة المستقبلين عند باب الكنيسة، حيث نسلم المفتاح إلى الزوار الكبار لتبرّكهم، مع إطلاعهم على تاريخ المفتاح وأهميته.
- عيد القيامة: يبدأ دورنا من يوم الخميس المقدس، حيث يُسلَّم المفتاح إلى طائفة الفرنسيسكان. ثم أصعد إلى مقام حارس الأراضي المقدسة، حيث يستقبلني الحارس وعدد كبير من الكهنة. بعد تبادل التهاني، أقود موكبًا مهيبًا من الدير مرورًا بالأسواق، ويُرفع الحارس المفتاح بيده حتى نصل إلى باب الكنيسة. عند فتح البوابة يُعاد المفتاح إلى يديّ.
- الجمعة الحزينة (الجمعة العظيمة): نستقبل طائفة الروم الأرثوذكس في البطريركية، ويسلَّم لهم المفتاح لتسليمِه إلى ترجمان الكنيسة، وتُتبع نفس الطقوس التي تُجرى مع طائفتهم.
- سبت النور: يُسلَّم المفتاح إلى طائفة الأرمن، وتُجرى مراسم خاصة تُعنى بفحص القبر في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، ثم يُغلق باب القبر بالشمع المقدس، ويُوضع ختمنا الخاص على الشمع لتأكيد إغلاقه. بعد ذلك تُفتتح احتفالات عيد القيامة ويظهر النور من القبر المقدس أمام جميع الحجاج.
■ ما هو موقفكم من الشكوك حول خروج النور من القبر ليلة عيد القيامة؟
في سبت النور يُجرى فحص دقيق للقبر للتأكد من عدم وجود أي شعلة أو مصدر للضوء قبل الساعة الثانية عشرة ظهرًا. بعد ذلك يُغلق باب القبر بالشمع المقدس، وتُلصق الختمة الخاصة بعائلتنا على الشمع لتأكيد الإغلاق. تُفتتح بعدها احتفالات عيد القيامة، ويظهر النور من القبر المقدس كمعجزة تُستقبل بفرحٍ كبير من جميع الحجاج.
■ كم استغرق ترميم مقبرة القبر المقدس التي تُفتتح في 22 مارس؟
بدأت أعمال الترميم بعد عيد الفصح المجيد عام 2016، واستمر العمل قرابة عام كامل. شملت العملية إزالة الهيكل الخارجي للمقبرة، وتنظيف الحجر الخارجي، وتعزيزه بصخور صلبة داخل الهيكل لضمان استقراره. بفضل رعاية العاهل الأردني وتكفل الدولة الأردنية بالحفاظ على هذا الموقع التاريخي العريق، اكتمل الترميم على أكمل وجه. شارك في حفل الافتتاح ممثلون من مختلف الطوائف والكنائس المسيحية من جميع أنحاء العالم.
■ كم عدد القيادات الدينية والبابوات الذين التقيتم بهم خلال فترة أمانتكم؟
أفتخر بأنني تقابلت مع أربعة بابوات من كنيسة القيامة:
- البابا بنديكت الثاني
- البابا يوحنا بولس الثاني
- البابا فرنسيس
- البابا تواضروس الثاني
في كل لقاء، رويت لهم قصة عائلتنا وحفظنا للكنيسة، فكانوا يباركوننا ويعبرون عن شكرهم لتفانينا في خدمة “أم الكنائس”.
■ هل تواجه الكنائس في الأراضي المقدسة مضايقات من الجهات الإسرائيلية؟
تُحافظ الكنائس على الستاتيكو (الوضع الراهن) الذي ينظم إدارة الأماكن المقدسة، وتُحترم هذه القواعد من قبل جميع الأطراف، بما فيها السلطات الإسرائيلية. لا توجد تدخلات تُغيّر من هذا النظام، وهو ما يُعدّ ضمانًا لملكية كل طائفة على كنائسها ومواقعها التاريخية.
■ ما هو الـ«ستاتيكو»؟
الستاتيكو هو نظام الوضع الراهن (Status Quo) الذي تم إقراره في عام 1852 بأمر من السلطان العثماني، ويُنظم العلاقات الإدارية والطقسية بين الطوائف المسيحية في الأماكن المقدسة. يحدد هذا النظام حقوق كل طائفة في الدخول، الصيانة، والاحتفال بالقداسات، ويُعدّ إطارًا قانونيًا يضمن استقرارًا طويل الأمد في إدارة المواقع المقدسة، بما فيها كنيسة القيامة والقبر المقدس.
بهذا الشكل تستمر الأمانة التي تحملها عائلة أديب جودة الحُسيني في إطارٍ من الاحترام المتبادل والتاريخ المشترك بين الأديان.
ــ الستاتيكو … معناه أن يبقى الحال على ما هو عليه. هذا المصطلح يُشير إلى العهد الذي أصدره السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1852، وهو ما يُعرف بـ«الستاتيكو» (الاستاتيكو). ينص هذا العهد على أن كل طائفة من الطوائف المسيحية الموجودة في القدس تحتفظ بالملكية التي كانت لها قبل صدور العهد، ولا يجوز تعديلها أو سحبها إلا بموافقة جميع الأطراف. وبالتالي، تُعترف بخمس طوائف مسيحية رئيسية في القدس (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية، الكنيسة المارونية، والكنيسة السريانية) بحقها في ممارسة طقوسها الدينية داخل مواقعها، بما فيها كنيسة القيامة التي تُعدّ من أقدس الأماكن للمسيحيين.
■ ماذا عن أزمة دير السلطان التابع لطائفة الأقباط الأرثوذكس؟ تُعَدّ أزمة دير السلطان مسألة ذات طابع سياسي‑ديني معقّد. الدير، وهو دير بطريركي يقع على جبل الزيتون، يُطالب به كل من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. وفقاً لرؤيتي الشخصية، فإن الأزمة ترتكز على قرار سياسي تم اتخاذه في ظل ظروف إقليمية مضطربة، حيث سعت إسرائيل إلى نقل ملكية الدير إلى جماعة «الأحباش» (القبطيون الإثيوبيون) في إطار ما يُنظر إليه على أنه خيانة للحقوق التاريخية للقبط الأرثوذكس. ما زالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تُكافح حتى اليوم لاستعادة ما تُعتبره ملكية شرعية للدير، وتُعَدّ هذه المطالبة جزءاً من سعيها المستمر للحفاظ على حقوقها وفقاً للستاتيكو.
■ هل علاقتك جيدة مع أسقف الأقباط الأرثوذكس الأنبا أنطونيوس في القدس؟ نعم، نحن على تواصل دائم مع الأنبا أنطونيوس، أسقف الأقباط الأرثوذكس في القدس. كان لي شرف استقباله عند عودته من زيارة إلى العراق، وقد أظهر من خلال هذه الزيارة سلوكاً نبيلاً وأخلاقاً رفيعة، إذ سافر إلى العراق وسط ظروف أمنية صعبة ليتفقد رعاية الأقباط المقيمين هناك. هذه اللفتة لاقت استحساناً واسعاً بين أبناء الطائفة، وأبرزت مدى التزامه بخدمة الرعايا في كل مكان. كما يجدر الإشارة إلى أن أعداد الأقباط العراقيين الذين يزورون كنيسة القيامة في القدس في تزايد مستمر، ولا يتوقفون عن القيام برحلاتهم إلى بيت المقدس، ما يعكس الروابط الروحية القوية التي تجمعهم بالمقدسات.
■ بكم يقدر عدد الحجاج سنوياً للأراضي المقدسة، وما أبرز جنسياتهم؟ في الوقت الحالي، تشهد الأراضي المقدسة تدفقاً كبيراً من الحجاج من مختلف أنحاء العالم. من بين أبرز الجنسيات التي تشكل أعداداً ملحوظة هي الحجاج الروس، والرومان (اللاتينيون)، والأرمن، والسريان، بالإضافة إلى الأردنيين. ولا يقتصر الحضور على هذه الفئات فقط؛ فالحجاج من جميع الدول العربية يزورون القدس بانتظام، ما يجعل من المدينة مركزاً دولياً للعبادة والتقوى. هذا التنوع يعكس الطابع العالمي للمقدسات وقدرة القدس على جمع الشعوب تحت راية الإيمان المشترك.
إرسال تعليق