الأب متى المسكين: صفحة مضيئة في تاريخ الكنيسة المصرية

تُعَدُّ شخصية الأب متى المسكين من أبرز الشخصيات التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الكنيسة القبطية. عُرِفَت حياته بالتضحيات المتواصلة والعطاء اللامحدود، ولعب دورًا حاسمًا في تهدئة الأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر خلال فترة حكم الرئيس أنور السادات.
مقدمة
في مسار الكنيسة القبطية، برز اسم الأب متى المسكين كحلقة وصل حيوية بين الكيان الكنسي والدولة. كان صوته صدىً للأقباط في أحلك لحظات الاضطهاد والتوتر، وساهم بجهده في حفظ وحدة الكنيسة وسلامتها. إنّ هذا الدور لا يقتصر على الجانب الإداري فحسب، بل يتجلى أيضًا في الروحانية التي استند إليها، إذ كان يستند إلى ما جاء في الكتاب المقدس:
محبة البابا شنودة والدفاع عن الكنيسة
كان الأب متى يحمل محبةً صادقةً للبابا شنودة الثالث، وكذلك حبًا عميقًا للكنيسة بأسرها. عندما اشتد الاضطهاد على الأقباط على يد الإرهابيين في الفترة من 1980 إلى 1997، وتفاقمت التوترات بين الكنيسة والدولة، كان لا بدّ من تدخلٍ فوريٍ لمنع وقوع كوارث قد تهدد وجود الكنيسة.
بفضل علاقته الوثيقة مع الرئيس السادات، استطاع الأب متى أن يخفف من حدة الصراع، فنجح في تجنّب محاكمة البابا شنودة وعزله. وقد تجلّى ذلك في لقاءٍ جمعه بالرئيس، حيث استطاع أن يَصْنَعَ جسرًا من الفهم المتبادل بين الطرفين، مستندًا إلى ما جاء في الكتاب المقدس:
مواجهة الرئيس السادات
في 15 أبريل 1980، عرض الأب متى خطر الوضع في اجتماع المجمع المقدس والمجلس الملي، موضحًا أن الكنيسة تُتهم بالخيانة. قدم للأقباط مشاكلهم إلى الرئيس السادات، الذي في البداية أبدى تفهّماً. غير أن خطاب السادات الصادر في 14 مايو من نفس العام حمل لهجةً عدائيةً تجاه الأقباط، فأشعلت الأوضاع.
عند علمه بنية السادات بمحاكمة البابا وعزله، حثّ الأب متى الرئيس على أن لا يُسمح بهذا الإجراء، مستندًا إلى أن “الولاء الروحي للأقباط لا يمكن أن يُقَطَع بقرارٍ دنيوي”. وأوضح أن الدولة لا تملك سلطةً على رئاسة الكنيسة الروحية، وأن أي محاولة لعزل البابا تُعَدُّ تعديًا على خصوصية الكنيسة وتعسفًا واضحًا.
على الرغم من شدة لهجته، استمع السادات إلى كلامه، فأعلن أنه لن يُحاكم البابا، بل سيعتقل زعماءً دينيين وسياسيين آخرين. وعندما ردّ الأب متى قائلاً: «العنف سيولد عنفًا»، لم يقتنع السادات تمامًا، لكنّ كلماته أسهمت في تخفيف حدة الصراع.
دور الأب متى في الحفاظ على الكنيسة
لم يقتصر دور الأب متى على الحوار مع الرئيس فحسب، بل شمل أيضًا التدخل لمنع قرارات قد تُلحق ضررًا بالكنيسة. فقد نجح في إيقاف قرار حل مدارس الأحد والأسر الجامعية، وهو ما كان يُهدد بقاء التعليم القُرْباني داخل المجتمع القبطي.
بعد هذا الإنجاز، عَرَضَ السادات على الأب متى منصبًا حكوميًا، فرفضه قائلًا: «ليس لي هذه المناصب، ولا أرغب في الانشغال بالسياسة». جاء هذا الرفض تأكيدًا على إيمانه بأن خدمة الكنيسة لا تُقاس بالمناصب الدنيوية، بل بالوفاء للرسالة الروحية.
في عام 1981، اتفق الأب متى والأنبا صموئيل على أن يذهب الخمسة أساقفة إلى البابا في الدير ليخضعوا له برؤوسهم إلى الأرض، طالبين رضاه وموافقته. إلا أن الأساقفة اختاروا التوجه إلى قصر عابدين لتسجيل أسمائهم، ما أثار استياء الأب متى وعاتبه للأنبا صموئيل بشدة. وعلى الرغم من هذا الخلاف، استمروا في السعي لتقوية الروابط بين الأساقفة والبابا، مؤكدين أن الوحدة الكنسية هي أساس الصمود في أوقات الشدة.
خاتمة
في إحدى أشد الفترات عصيبةً على الكنيسة القبطية، برز دور الأب متى المسكين كجسرٍ حيويٍ بين الكنيسة والدولة، وصوتٍ للأقباط في مواجهة الاضطهاد والتوتر. دافع عن البابا شنودة والكنيسة بشجاعةٍ وإصرار، ومنع وقوع الكثير من المصائب التي كان من الممكن أن تُقَلِّب مسار تاريخ الكنيسة. لذا، يظل الأب متى مسكينًا صفحةً مضيئةً في سجل تاريخ الكنيسة القبطية، تُذكرنا بأن الإيمان الصادق والعمل المتفاني قادران على تخطي أصعب التحديات.
إرسال تعليق