
ما لا تعرفه عن كنيسة الدمعة | «بكاء الرب» | دومينوس فولويط
تقع كنيسة الدمعة على مشارف المدينة القديمة للقدس، على سفح الجبل العربي لجبل الزيتون. تُعرف هذه الكنيسة أيضاً باسم «كنيسة بكاء الرب» أو «دومينوس فولويط» (باللاتينية: «بكى الرب»). يلفت انتباه الزائر شكلها الدائري وقبّتها المخروطية التي تشبه الدّمة، وهو ما يرمز إلى دمعة يسوع المسيح التي سَفَكَها على أورشليم.
دلالتها الروحية والرمزية
تُعيد الكنيسة إلى الأذهان المشهد الخالد في إنجيل لوقا حين وقف يسوع يطلّ على المدينة وبكى عليها. النصّ الوارد في ترجمة فاندايك من إنجيل لوقا (الإصحاح 19: 41‑44) يقرأ:
بهذا المشهد يُظهر يسوع حُزنه العميق على مصير أورشليم، مُنَبِّئًا بدمارها المستقبلي قبل صلبه. إنّ الشكل الدائري للكنيسة يُعبّر عن دمعةٍ واحدةٍ كبرى، تُحمل في صمتها رسالةً من الحزن إلى الأمل.
موقعها بين معالم القدس المقدسة
تقع الكنيسة في قلب مجموعة من المواقع المسيحية البارزة، بينها كنيسة «جسدية» (القدس القُدس) ووادي قدرون وكنيسة مريم المجدلية ذات القباب الذهبية، إضافة إلى قبر السيدة العذراء. من أعلى قِبّتها يُطلّ الزائر على بانوراماٍ شاملة للقدس القديمة، تُظهر القباب، والأبراج، والمآذن التي تُعيد إلى الأذهان تاريخ المدينة المتعدد الثقافات.
تاريخ المبنى الأثري
يرجع أصل الموقع إلى القرن الخامس الميلادي، حين شُيّدت كنيسة بيزنطية على هذا المكان. في عام 1955 عُثِرَ على أنقاض تلك الكنيسة، بما فيها جزءٍ من الأرضية الفسيفسائية التي تُظهر فنّ الفسيفساء البيزنطي.
نظرًا لأهميّة الموقع، قرّر الرهبان الفرنسيسكان إعادة بناء كنيسة جديدة في عام 1956، مع الحفاظ على الآثار القديمة. صمم البناء الحالي الفنان والمهندس الإيطالي أنطونيو بارلوتزي (أنطونيو بلارازي)، واعتمد الشكل الدائري كرمزٍ للدمعة المسيحية.
داخل الكنيسة: لوحة «المسيح يبكي على أورشليم»
في صرح الكنيسة يتوسطها لوحةٌ فنيةٌ تُصوّر يسوع وهو يبكي على أورشليم. تُظهر الخلفية المدينة والهيكل، وتُكتب كلمة «أورشليم» بثلاث لغات: العربية، والعبرية، واللاتينية؛ إشارةً إلى تنوّع المدينة ووحدتها الروحية.
جذب الزوار من جميع الأديان
تستقبل الكنيسة الزائرين من مختلف الأديان والثقافات، الذين يأتون لتأمل حُبّ المسيح وحزنه على البشرية، وللصلاة من أجل السلام في القدس والعالم. تُظهر الكنيسة أن الدموع لا تعني الضعف أو اليأس، بل هي تعبيرٌ عن القوة والأمل في تجديد العهد الإلهي.
✤ كنيسة الدمعة – القدس – (بكاء الرب)
تُعرف الكنيسة باسم «دومينوس فولويط»، وهو تعبير لاتيني يُقصد به «بكى الرب». تقع على الجهة الشرقية لجبل الزيتون، مقابل المسجد الأقصى، وتُبنى على شكل دمعةٍ لتجسيد دموع المسيح كما جاء في إنجيل لوقا (الإصحاح 19).
♱ تأسيسها
- المرحلة الأولى (القرن الخامس الميلادي): شُيّدت كنيسة بيزنطية على الموقع، ولا يزال بقاياها تُظهر الفسيفساء البيزنطية التي عُثر عليها عام 1955.
- العهد العثماني (القرن السادس عشر): بُني على نفس الموقع مسجدٌ ومدرسةٌ سُميتا «المنصوري».
- الفترة الصليبية: حُدد الموقع الذي بكى فيه يسوع خلال الحروب الصليبية، فبدأ الحجاج بزيارة المكان وتكريمه.
- سقوط القدس عام 1187: تعرضت الكنيسة للخراب، ولم يُعثر على بقاياها إلا في القرن العشرين.
- القرن التاسع عشر (1891): اشترى الفرنسيسكان قطعة أرضٍ صغيرةً مجاورة للموقع الأصلي، فبُنيت هناك كنيسةٌ صغيرة.
- عام 1913: شُيّدت منزلٌ خاصٌ أمام الكنيسة الصغيرة بأمرٍ من ملكةٍ من عائلة ميلون؛ انتقل لاحقًا إلى أخوات القديس يوسف، ثم إلى سيدة برتغالية.
- عام 1940: باعت الأخوات البنيدكتيات جزءًا من الملكية للفرنسيسكان، فتم توسيع حدود الموقع.
- عام 1953‑1956: بدأ الفرنسيسكان بناء الجدار الجديد واكتشفوا أثناء الحفر قبورًا أثريةً، أشرف على التنقيب فيها المهندس بيلارمينو باغاتي. تم الانتهاء من بناء الكنيسة الحالية عام 1956 وفق تصميم أنطونيو بارلوتزي، مع الحفاظ على الشكل الدائري كرمزٍ للدمعة.
بهذا الجمع بين التراث البيزنطي، والعهد العثماني، والنهضة الفرنسيسكانية، تُعدّ كنيسة الدمعة اليوم شهادةً حيةً على تاريخ القدس المتعدد الطبقات، وعلى الحُزن الأبدِي للمسيح الذي يَسْتَمرُّ في إلهام الزائرين إلى اليوم.
✥ الفسيفساء أو الموزايك
الموزايك الموجودة في المرفق، والتي تُعَلَّق داخل الكنيسة، تُجسِّدُ قولَ المسيح المَذكور في إنجيل متى:
إنّ هذا النصّ يُظهرُ شوقَ المسيح إلى جمعِ شعبِه تحت رعايته، كما تحتمي الفراخُ تحت جناحي الدجاجة، لكنه يواجهُ رفضًا مستمرًا. فالموزايك، بألوانها الزاهية وتفاصيلها الدقيقة، تُعيدُ إحياءَ هذه الصورة الروحية داخل القاعة المقدسة، لتُذكِّرَ الزائرين بضرورة الانصياعِ إلى دعوةِ المسيح والالتجاءِ إلى حمايته.
★ ملاحظة:
تمّ اكتشافُ درجٍ طويلٍ من الحقبة الرومانيةٍ يحيطُ بالكنيسة. كان هذا الدرج يربطُ بين الهيكلِ والحيِّ العلوي للمدينة إلى وادي قدرون. يُعتقد أنَّ هذا الدرج كان موجودًا في زمنِ المسيح، وهو ما يتيح لنا تصورَ المشهدِ التالي: يسوعُ ينزلُ مع تلاميذه في ليلة خميس الأسرار إلى بستانِ الجسدية ليصلي. إنّ وجودَ هذا الممرّ الروماني يُظهرُ استمراريةَ المكانِ عبر العصور، ويُعطي القارئ فرصةً لتخيلِ الخطواتِ التي سلكها المسيح وتلاميذه في تلك الليلة المباركة.
بهذا الجمعِ بين الفسيفساءِ التي تُعبِّرُ عن كلمةِ المسيح والدرجِ الرومانيِّ الذي يربطُ الماضيَ بالحاضر، يتجلى أمامنا مشهدٌ تاريخيٌّ وروحيٌّ يُعزِّزُ إيمانَ المؤمنين ويُعمِّقُ فهمَهم لتاريخِ الكنيسةِ ومكانتها في قلبِ المدينة.
إرسال تعليق