
شعب نينوى وعبادتهم للأوثان
كان شعب آشور يعيش في مدينة عظيمة اسمها نينوى، وكانوا يعبدون آلهة كثيرة ولا يعرفون من هو رب الحق. كان هذا الشعب شريرًا جدًا وخطاياهم عظيمة، وكانت بينهم وبين شعب إسرائيل مشاكل كثيرة لأن ملك آشور كان يسعى لاستعباد بني إسرائيل. لم يكونوا يحبون بعضهم البعض، وبسبب محبة الله الكبيرة للإنسان ورغبته في خلاصهم من الموت والهلاك، قرر إرسال رسالة لهم يحذرهم فيها ويدعوهم للتوبة عن شرهم، وذلك عن طريق نبي من أنبياء بني إسرائيل اسمه يونان. ومعنى اسم يونان "حمامة"، وبذلك يكون يونان "حمامة السلام" المرسَلة لأهل نينوى، ورسالته هي رسالة خلاصهم ونجاتهم من الهلاك والموت. وهكذا جت الرسالة من الرب ليونان بأن يقوم ويذهب إلى أهل نينوى يحذرهم ويقول لهم: "إن لم تتوبوا، المدينة ستُهلك بعد أربعين يومًا".
هروب يونان وعقابه
قام يونان كما أمره الرب، ولكنه قرر أن يعصي أمر ربه وسافر إلى ترشيش. نزل إلى مدينة يافا، وعبر البحر ركب السفينة ونام جواها. فجأة قامت رياح عاتية وتقلب الجو والموج إلى درجة أن السفينة كانت على وشك التكسر، وكل من كانوا في السفينة خافوا جدًا واضطربوا، فرموا كل الأشياء التي معهم ليخففوا من وزن السفينة ويحاولوا بكل قوتهم إنقاذها من الغرق والرياح العاتية التي تواجههم. بدأ كل من كانوا على السفينة يصرخون لأربابهم، لكنهم اكتشفوا أن الوحيد الذي لم يصرخ هو يونان. فنزل رئيس البحارة من نومه وقال له: "قوم يا صاحبي، اصرخ لربك، لعله يخلصنا من هذه العاصفة". واستمر الجميع في الصلاة لأربابهم ما عدا يونان، لأنه كان يعرف أنه هارب من أمام وجه الرب. ثم عملوا قرعة ليعرفوا من هو السبب في الكارثة التي هم فيها.
اكتشفوا أن السبب هو يونان وأن الرب غاضب عليه بسبب ما فعل. سألوه عن سبب وجوده معهم ولماذا أوقع بهم إلهه هذا البلاء. فقال لهم: "هذا من إلهي، وهو الإله الحقيقي. أنا عبراني أعبد الله خالق السماء والأرض الذي أوصاني أن أذهب إلى نينوى أكرز لها بالخلاص، لكني هربت وركبت معكم هذه السفينة". فخاف كل من في السفينة خوفًا عظيمًا وقالوا له: "لماذا فعلت بنا هذا؟ وماذا يمكن أن نفعل لنهدى البحر؟". فقال لهم: "لكي تهدى العاصفة وتسكت والسفينة تنجو، يجب أن ترموني في البحر". لكن البحارة حاولوا أن يجدفوا بالسفينة إلى البر، فلم يستطيعوا لأن البحر كان يزداد اضطرابًا. فصرخوا إلى الرب وقالوا: "لا تهلكنا مع هذا الرجل، ولا تحسب دمه علينا". وحملوا يونان ورموه في البحر، فسكت البحر عن هيجانه. فخاف البحارة من إله إسرائيل وذبحوا ذبائح وأوفوا نذورًا. والله أعد حوتًا بلع يونان، وقعد فيه ثلاثة أيام وليلتين.
صلاة يونان من داخل الحوت
بدأ يونان يصلي من جوف الحوت ويقول:
"دعوت من ضيق الرب، فاستجابني. صرخت من جوف الهاوية، فسمعت صوتي. لأنك طرحتني في العُمق، في قلب البحار. فأحاط بي نهر جازت، فوقي جميع تياراتك ولججك. فقلت: طُردت من أمام عينيك، ولكنني أعود أنظر إلى هيكل قدسك. قد اكتنفتني مياه إلى النفس، أحاط بي الترف. عشب البار براسي، نزلت إلى سافل الجبال، مغاليق الأرض علي إلى الأبد. ثم صعدت من الوهدة، حياتي أيها الرب إلهي! حين اعيت في نفسي، جاءت إليك صلاتي إلى هيكل قدسك. الذين يراعون أوثان كاذبة، يتركون نعمتهم. وأما أنا، فبصوت الحمد أذبح لك، وأوفي بما نذرت. للرب الخلاص!"
ولما فرغ يونان من صلاته، أمر الرب الحوت أن يرميه على الشاطئ. فعلا قذف الحوت يونان على الشاطئ، وقال له الرب: "قوم وامضِ إلى مدينة نينوى العظيمة، وقول لها الكلام الذي قلته لك من قبل". فقام يونان بسرعة وسار إلى مدينة نينوى كما أمره الرب.
توبة نينوى
كانت نينوى مدينة عظيمة جدًا، تحتاج لقطاعها ثلاثة أيام. بدأ يونان يمشي في المدينة يومًا كاملاً، ويقول لهم: "بعد أربعين يومًا، ستُهلك هذه المدينة". بدأ الناس يسمعون كلام يونان ويصدقونه، فآمنوا بكلامه وصاموا، والكبار والصغار لبسوا المسوح التي تشبه الخيش. استمر يونان في التجول في المدينة ينذر الشعب حتى وصل إلى الملك. وعندما سمع الملك الكلام الذي يقوله يونان، قام من على كرسي الحكم وخلع ملابسه الملكية وتغطى بالمسوح وقعد على الرماد وتذلل مع شعبه، ليُرفع عنه وع عن مدينته. ليس هذا فقط، بل أصدر الملك قرارًا بأن الناس والبهائم والبقر والغنم لا يأكلون ولا يشربون شيئًا، والناس والبهائم يلبسون المسوح ويبدأون يصرخون ويصلون إلى الرب بشدة، ويتوب كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي يعيشون فيه، لعله أن يرجع الرب عن غضبه ولا تهلك المدينة.
رحمة الله وغضب يونان
فلما رأى الرب أن شعب نينوى رجعوا عن طريقهم و أعمالهم الرديئة وتابوا عن خطاياهم، رجع هو أيضًا عن الشر الذي كان سينه به عليهم. ولما رأى يونان أن الرب رجع عن هلاك المدينة، اشتد غضبه وتضايق جدًا، لأنه كان يتمنى أن يهلكها. صلى يونان إلى الرب وقال له: "أنا أعلم أنك إله رؤوف ورحيم، بطيئ الغضب وكثير الرحمة، نادم على الشر. لهذا هربت إلى ترشيش، ولم أرد أن آتي إلى نينوى. فالآن يا رب، خذ حياتي، فالموت خير من الحياة".
هذه القصة تعلمنا عن رحمة الله التي لا حدود لها، وعن توبة نينوة الحقيقية التي قبلها الله، وعن غضب يونان الذي لم يكن يليق برحمة الله.
قصة يُونَانَ وتَجْرِبةِ اليَقْطِينَةِ
خرج يُونَانُ، نبيًّا مَضْطَرِبًا ومُتَضايِقًا، إلى شَطِّ شَرْقِ المدينةِ فَبَنَى لِنَفْسِهِ مَظْلَلًا وَجَلَسَ تَحْتَهُ فِي الظِّلِّ يَتَأَمَّلُ مَا سَيَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِنِينَوَى، الَّتِي كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ تُهْلَكَ.
وبينما كان يُونَانُ يَنتَظِرُ بِلِقَاءِ اللهِ، أَرسَلَ اللهُ إِلَيْهِ يَقْطِينَةً كَبِيرَةً نَمتْ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَظَلَّ يَسْتَظِلُّ بِهَا وَشَعَرَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، كَأَنَّ اللهَ أَحْيَاهُ مِنْ غَمِّهِ وَقَلَقِهِ.
في الصُّبْحِ التاليِ، عِنْدَ الفَجْرِ، أَرْسَلَ اللهُ رِيحًا شَرْقِيَّةً شَدِيدَةً فَضَرَبَتْ اليَقْطِينَةَ فَجَفَّتْ وَانْسَبَتْ. وعِنْدَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَتَى حَرٌّ شَدِيدٌ فَضَرَبَ شَعْرَ يُونَانَ، فَشَعَرَ بِأَلَمٍ وَضِيقٍ فَطَلَبَ مِنَ الرَّبِّ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ، مُقَدِّرًا أَنَّ مَوْتَهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ.
فَأَجَابَ اللهُ يُونَانَ بِرَحْمَةٍ وَتَوْبِيخٍ: «أَنتَ تَضَايَقتَ لِلْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَزْرَعْهَا وَلا تَرْعَاهَا، وَأَنْتَ تُعْطِي نِينَوَى مَوْتًا وَهِيَ مَدِينَةٌ مَلِيئَةٌ بِأَنفُسٍ لا تَعْرِفُ يَمِينَهَا مِنْ شِمَالِهَا سِوَى الحَيَوَانَاتِ الكَثِيرَةِ».
هَذِهِ الكَلِمَةُ أَوْضَحَتْ لِيُونَانَ دَرْسًا عَمِيقًا فِي رَحْمَةِ اللهِ وَسُرْعَةِ غَضَبِهِ، فَأَدْرَكَ أَنَّ اللهَ رَحِيمٌ بَطِيلٍ، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِجَمِيعِ النَّاسِ لا تَحْدُهَا حَدٍّ.
بِهذِهِ الرِّسَالَةِ، صَارَ يُونَانُ نَذِيرًا لِأَهْلِ نِينَوَى، فَتَبِعُوا دَعْوَتَهُ فَتُوبُوا وَانْقَلَبَ الضَّلَالُ إِلَى الرَّشْدِ، وَالفُجُورُ إِلَى التَّقْوَى، وَالعِصْيَانُ إِلَى طَاعَةِ اللهِ، وَالجُهْدُ إِلَى إيمَانٍ وَغُفْرَانٍ.
المقارنةُ بين يُونَانَ والمَسِيحِ
تُعَدُّ حَكايةُ يُونَانَ سَبِيلًا لِفَهْمِ مَسِيرَةِ المَسِيحِ، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى إنْجِلِيسِ مَتِّيُوسَ، نَجِدُ:
فَكَمَا بَقِيَ يُونَانُ حَيًّا فِي بَطْنِ الحِوتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثِ لَيَالٍ، هكَذَا بَقِيَ المَسِيحُ جَسَدًا مَوْتِيًّا فِي القَبْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثِ لَيَالٍ، ثُمَّ قَامَ حَيًّا، مُنْجِيًا الإِنْسَانِيَّةَ مِنَ المَوْتِ وَالخَطِيئَةِ.
وَإِذْ أَصْبَحَ يُونَانُ نَبِيًّا يَدْعُو إِلَى التَّوْبَةِ وَالْفَدَاءِ، هكَذَا صَلَبَ اللهُ مَسِيحًا وَقَامَ، فَأَفْنَى عَدَاوَةَ الخَطِيئَةِ وَقَدَّمَ سَ
إرسال تعليق