الكنيسه القبطيه ترفض حمايه روسيا للاقباط في عهد محمد علي

رفض الحماية الروسية ومواقف الكنيسة القبطية: قصة وطنية تتجاوز الزمن

الكنيسة القبطية ترفض حماية روسيا للأقباط في عهد محمد علي

مواقف الكنيسة القبطية في مواجهة الحملات الصليبية والتحديات الوطنية

تُعدّ مواقف الكنيسة القبطية عبر تاريخها الطويل مثالاً واضحاً على الثبات الوطني والروحي، بدءاً من خطواتها الأولى على أرض مصر وحتى يومنا هذا. لم يخلُ أيّ مرحلة زمنية أو حبرية من رسائل أو قيمٍ بطريركيةٍ سادت فيها روح الصمود أمام التحديات، سواءً كانت حملاتٍ صليبيةً أوروبيةً أو أزماتٍ داخليةٍ.

رغم أن الحملات الصليبية ارتفعت صليباً مدعّاةً بالحرب من أجل الإيمان، فإنّ الأقباط عانوا من حرمانٍ من زيارة الأراضي المقدسة، وتكبدوا مصاعبٍ شتى كلما أظهروا تمسكهم بعقيدتهم الوطنية. إنّ حصر جميع المحطات المضيئة في تاريخ الكنيسة القبطية أمرٌ صعب، لكن كثافة التاريخ النقي لا تُنقِص من قدرتنا على استحضار بعض الشواهد التي تُظهر حكمةً وصموداً، ولا يُقصد منها الإحاطة الشاملة بل التمثيل والتدليل.

في عهد البابا بطرس الجاولي (البطريرك رقم 109 من بطاركة الكرازة المرقسية) وبالتزامن مع حكم محمد علي، زار سفير روسيا مصر وقدّم للبابا عرضاً لحماية القيصر للأقباط. سألّه البابا بطرس بذكاءٍ لافت: «هل ملككم يموت أم يعيش إلى الأبد؟» فأجاب السفير قائلًا إنّ ملكهم، كجميع البشر، سيموت. فأجاب البابا: «إن كان قيصر روسيا يموت، فنفضّل أن يكون حامينا وراعينا هو الإله الذي لا يموت».

هذا الحوار أظهر حكمةً بطريركيةً عميقةً، إذ أكد أن الحماية الإلهية تفوق أي حماية بشرية. وقد أُعجب السفير بهذه الحكمة، ثمّ توجه إلى الوالي سائلًا عن ما أعجبه في مصر. فأجاب الوالي: «لم تُدهشني عظمة الأهرامات ولا ارتفاع المسلات، بل أثّرت فيّ حكمة البطريرك».

بعد ذلك، زار الوالي البابا شاكراً موقفه الوطني، فأجابه البابا: «لا تشكر من قام بواجبه نحو بلاده». كان هذا الحدث مجرد غيضٍ من فيضٍ في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لكنه يبرز روح الوطنية التي لا تزول.

إنّ هذه القصة، إلى جانب غيرها من الوقائع، تُظهر كيف أن الكنيسة القبطية لم تكتفِ بالاعتماد على الحماية البشرية، بل ارتكزت على إيمانٍ راسخٍ بالله كحامٍ لا يزول. وقد تجسّدت هذه الثقة في كلمة المزمور:

«الرب ملجأنا وقوتنا، عونًا في الضيق شديد» (مزمور 46:1، ترجمة فاندايك).

وبذلك، تُعيدنا هذه الحكاية إلى جذور الوطنية القبطية التي لا تتزعزع أمام التحديات، وتُؤكّد أن الثبات في الإيمان والقيم الوطنية هو أساس صمود الكنيسة عبر العصور.

وكما عبّر الوالي عن إعجابه بحكمة البابا ووقوفه الثابت، فإنّ هذه القصة تمثّل جزءًا صغيرًا من تاريخ الكنيسة القبطية الذي يستحقّ الاحتفاء به والتأمل فيه كمصدرٍ للعزة والفخر الوطني.

Post a Comment

أحدث أقدم