

الراهب المحتال الهارب الذي قدّسه الناس ورُشّح إلى الأسقفية!!
لأسبابٍ سياسيةٍ ومطامعٍ شخصيةٍ، وإلى جانب حياةٍ مليئةٍ بالفشل، قرّر أحدهم أن يجرب حياة الرهبان المسيحيين في الأديرة البعيدة. فالتحق في البداية بدير الأنبا بيشوي، وهو ديرٍ يقع في صعيد مصر ويشتهر بكونه مركزاً للزهد والعبادة، ثم انتقل إلى دير المحرق في أسيوط، وهو ديرٍ آخر معروفٍ بانتشار الأدب والعلوم بين الرهبان.
في دير المحرق، نال شهرةً واسعةً لأنه كان أديباً متعلماً يجيد عدة لغاتٍ ويتقن فنون الخطابة. وصل الأمر إلى أنّ اسمه ارتبط بترشيحٍ لمقعد مطران الحبشة، وهو مقعدٍ كان يُعَدُّ من أعلى المناصب الكنسية في ذلك الوقت، إذ كانت الحبشة (إثيوبيا) آنذاك تتبع الكنيسة القبطية المصرية وتُعطي لكرسي الحبشة مكانةً عظيمةً بين المطرانيات.
ربما يثير عنوان هذا الموضوع فضولك لتتساءل: هل ما يُروى هنا حقيقةٌ أم قصةٌ من وحي الخيال؟
أؤكّد لك أن شخصية حافظ نجيب المغامر والأديب المحتال ليست خيالاً صُنعَ من أجل مسلسل «فارس بلا جواد» (الذي عُرض لأول مرة في رمضان 2002م، وقد شارك فيه الفنان محمد صبحي إلى جانب الراحل جميل راتب والنجمة سيمون). إنّ هذا المسلسل عُرض في ظل اعتراضٍ من قبل «دولة الاحتلال» على محتواه لتطرقه إلى «بروتوكولات حكماء صهيون».
حافظ نجيب كان مسلم الدين، شاعرًا وضابطًا وجاسوسًا، دخل الدير وأخبر الرهبان برغبته في الرهبنة دون أن يسأل أحد عن أصله أو هويّته. كان شخصًا بارعًا في التحايل والتنكر، ومثقفًا متعلمًا بعدة لغات، فتمكّن في وقتٍ قصيرٍ من استيعاب الحياة الرهبانية واكتساب مهاراتٍ مدهشة في التمثيل وإدّعاء الشخصيات.
هذه القدرات استغلّها في تجنّب المشكلات التي وقع فيها، فكان يُستَخدمُها كعاملٍ رئيسيٍ في الإفلات من أيّ ورطة. فقد ارتبط اسمه بعمليةٍ للانضمام إلى المخابرات الفرنسية، ثم انكشف أمره فتم تهريبه إلى مصر، وتعرّض للسجن أكثر من مرة، لكنه استمرّ في ممارسة هواية التنكر وانتحال الشخصيات حتى سقط في قبضة الشرطة.
تبدأ قصة رهبنته عندما كانت الشرطة تطارده؛ فاختار أن يختبئ بين شباب الأقباط بدخول أحد الأديرة، ليس بدافع حبّ الزهد أو النسك، بل أملاً في الصعود على سلم الرهبنة إلى أن يتبوّأ كرسي الحبشة، ذلك المقعد الذي كان يُعَدُّ من أعلى المناصب الكنسية في ذلك الزمان، إذ كانت الكنيسة القبطية المصرية هي المرجعية الروحية للكنيسة الإثيوبية.
كان هدفه أن يجنّد بعض الضباط والجنود لتشكيل جيشٍ يُساعده على طرد الإنجليز من مصر والسودان، كما كان يسعى إلى الاختفاء عن أنظار الشرطة التي كانت تُلاحقه بسبب أحكامٍ قضائيةٍ متعددةٍ تتعلق بالنصب والاحتيال.
كان حافظ نجيب صديقًا للزعيم مصطفى كامل، وكذلك للزعيم محمد فريد. وفي إحدى اعترافاتهما يُذكر ما يلي:
هنا ابتسمت وسوسة الشيطان، فعزم على دخول الدير والترهب، وعرض الفكرة على بعض زملائه الذين يعملون في السياسة. فأبدى أحدهم (ويُعتقد أنه محمد فريد) رأيًاً يقول فيه:
وقال الآخر (ويُعتقد أنه مصطفى كامل) وهو على فراش مرضه الأخير:
ثم أضاف الأول:
وبعد ذلك ودّع الرجلان وانصرف إلى الدير.
كان حافظ نجيب واعظًا وخطيبًا مفوهًا؛ فكان يُحاط بالعديد من الرهبان، وعُين في الدير كمتحدّثٍ رسميٍّ لاستقبال الزوار، إذ كان يجيد الشرح والتعبير.
خلال إقامته في الدير وصل إليه خبر وفاة الزعيم مصطفى كامل، فحزن عليه كثيرًا، فكتب قصيدتين رثائيتين ونشرهما في صفحات إنجيلٍ في قلايته. وعند زيارة رئيس الدير له، امتدت يداه إلى القصيدتين، فتعرف أن القصيدتين من تأليف الراهب «غبريال»—وهو الاسم الذي استُخدم بعد رهبنته. ففرح رئيس الدير بأن الرهبنة أضافت إلى صفوفها شاعرًا وأديبًا، فسرّع بنشر القصيدتين في جريدة «الوطن».
خاف حافظ نجيب من أن تُفضح أمره إذا وصلت الجريدة إلى يد البابا كيرلس الخامس، الذي كان يُعرف بالشفافية والكرامة. فاستُدعِيَ البابا على الفور ليرى الراهب الجديد. ولخوفه من مقابلة البابا، هرب من الدير إلى بيت «محمد فريد»، فطرده على الفور وبُخِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـِـ
ترك الدير والانتقال إلى دير الأنبا انطونيوس
بعد فترة، ترك الراهب حافظ نجيب الدير بسبب خلافه مع أحد الرهبان، فرفع شكوى لدار البطريركية بسبب تعنت ذلك الراهب. وقد أشارت له البطريركية بالانتقال إلى دير الأنبا انطونيوس في منطقة "بوش" بمحافظة بنى سويف. هناك، أسندت له المهمة الوعظية، فتعلقت نفوس أهل القرى المحيطة بالراهب غبريال "حافظ نجيب" بسبب فصاحته وعلمه، وتم ترشيحه ليكون مطرانًا للحبشة.
مواجهة البابا كيرلس الخامس وعودة الدير
علم رئيس دير المحرق أن الراهب غبريال قد ترك الدير، فثار على الرهبان وطلب من البابا كيرلس الخامس (البابا رقم 112) أن يستعطفه لعودة الراهب غبريال مرة أخرى، إذ كان حريصًا على استبقاء هذا الراهب المميز في الدير. وقد كان البابا كيرلس الخامس رجلًا قديسًا يتميز بالشفافية، فطلبه مرة أخرى، وهنا أصبح من الضروري على حافظ نجيب أن يقابل البابا البطريرك.
ففي مذكراته، يقول حافظ نجيب: "قابلت البابا كيرلس الخامس، رجل حسن النية وطيب القلب، ولكني قابلني مقابلة خشنة، وقال لي: 'أنت جيت يا مسيو! أنت بتتكلم إنجليزي وفرنساوي وغلباوي! لا يدخل ملكوت الله بالغلبة إنما بالإيمان والصلاح، ومن المستحيل أن تنال منصبًا دينيًا كبيرًا. وأنا على رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، امش يا مسيو، اخرج من قدامي'".
وبعد أن كشفه، طرده البابا من قدامه، فقال حافظ نجيب وهو يتحدث إلى نفسه: "كيف امتدت يد ذلك الكهل إلى أعماق الصحراء وراء الجدران لتبعدني عن الدير مرغمًا؟!"
قرار نهائي وخاتمة القصة
وبعد هذه المواجهة، قرر حافظ نجيب عدم العودة لحياة الدير مرة أخرى بعدما خابت مساعيه.
التأمل الختامي
إن هذه القصة حقيقة، ولكن الغرض منها ليس أن نعتقد أن مسلمًا قد تخفى في زيه الكهنوتي، بل المشكلة أننا قد نجد من البعض - سواء أقباطًا أو مسلمين - من يسعون وراء المراكز والسلطة. فالبعض يستخفي تحت عباءة الدين ليداري أخطاءه وربما جرائمه، سواء كانت زنى أو سرقة أو نهب، وربما تصل إلى القتل!
إنه من الظرف علينا كبشر أن نعتبر أن مثل هؤلاء الأشخاص قدوة، في الوقت الذي يسعون فيه لمصالحهم وللثراء والسلطة، ويستغلون منصبهم الديني لتحقيق أهدافهم الشخصية!
إرسال تعليق