سر الإفخارستيا والتناول من الأقداس الإلهية: الغذاء الخلاصي وثمرة الحياة الأبدية
سر الإفخارستيا والتناول من الأقداس الإلهية: الغذاء الخلاصي وثمرة الحياة الأبدية
تتجلى جودة الله الفائقة وسخاؤه غير المحدود ورحمته المتسعة نحو البشرية في أعظم صورها من خلال سر الإفخارستيا المقدس. ففي هذا السر الإلهي، لم يكتفِ الفادي الصالح بإعلان محبته الشديدة للجنس البشري عبر التعليم والآيات فحسب، بل قدم ذاته قوتاً وحياة للمؤمنين، ليصير هو نفسه الغذاء الخلاصي الذي تتغذى عليه النفوس المشتاقة إلى الخلاص والثبات الإلهي.
التأسيس الإلهي لسر التناول وأمر الرب للتلاميذ
إن ممارسة التناول من الأسرار المقدسة لم تكن واضحة من اختراع بشر، ولا هي مجرد طقس كنسي استحدثته العصور المتأخرة، بل إن الرب يسوع المسيح نفسه هو من وضع أساس هذا السر وشيّد أركانه بنفسه، موصياً خادمي العهد الجديد والشعب الكنسي بضرورة الاشتراك في هذا الغذاء الروحي. ففي العلية، وفي الليلة التي سبقت آلامه المحيية، منح المخلص سائر البشرية هذا العطاء الخالد.
وقد دوّن الإنجيل المقدس تفاصيل هذه اللحظة الخالدة، حيث يُذكر في إنجيل القديس متى: «وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هٰذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هٰذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.»» (مت 26: 26-28).
ولم يقف الأمر عند مجرد تقديم الجسد والدم في تلك الليلة الفريدة، بل أسبغ الرب يسوع على رسله القديسين سلطاناً كنسياً ممتداً لكي يواصلوا إقامة هذه الذبيحة الشاكرة على مر الأجيال، حيث يورد القديس لوقا هذا التكليف الإلهي قائلاً: «وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هٰذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هٰذَا لِذِكْرِي».» (لو 22: 19).
من خلال هذا التكليف المباشر، تحولت ذبيحة القداس الإلهي إلى امتداد حي لحضور المسيح في كنيسته، حيث يتسلم الكهنة السلطان الإلهي لإعادة إعلان هذا السر المقدس لصالح جماعة المؤمنين.
التنازل الإلهي: الاحتجاب تحت أعراض الخبز والخمر
إن الصلاح الإلهي المحيط بطبيعتنا البشرية الضعيفة اقتضى أن يحتجب سر الجسد والدم الأقدسين تحت شكل الخبز والخمر. فالله في حكمته العميقة ولطفه العميم يعلم أن الطاقات البشرية المحدودة والحواس الظاهرة لا تستطيع أن تتماس بشكل مباشر مع مجد اللاهوت أو أن تتناول الذبيحة الإلهية في هيئتها المكشوفة دون أن تعتريها الهيبة الشديدة والذهول.
من هنا جاء الاحتجاب تحت أعراض الخبز والخمر المنظورين كفعل تشجيع وتجشؤ للمؤمنين كي يقبلوا بثقة وجرأة إيمانية نحو المائدة المقادسة. فلو لم يتنازل الرب ويغطي جلال أسراره بتلك الأعراض المألوفة للبشر، لما استطاع مؤمن أن يمتد بيده ويشترك في هذا الطعام السماوي. وهذا الترتيب الخلاصي هو ما أوضحه الرب يسوع بنفسه في خطابه اللاهوتي الشهير المدون في إنجيل القديس يوحنا (الأصحاح السادس)، ليبرهن بوضوح لا يقبل الشك أن حقيقة جسده ودمه هما القوت الفعلي الذي ينعش الأرواح ويثبت النفوس.
بناءً على هذا الإعلان الإلهي، أضحى التناول واجباً روحياً أسادياً على كل إنسان مسيحي يبتغي نماء حياته الروحية وثباته في الله. فالإهمال في التقدم للأسرار يعطل مسيرة الاتحاد بالخالق ويحرم النفس من الغذاء الجوهري الذي يتوقف عليه كل نمو روحي حقيقي.
التناول كشرط جوهري لحياة النفس والتحذير من الإهمال
تؤكد المفاهيم الإيمانية الأصيلة أن الحياة الروحية للمؤمن مقترنة اقتراناً وثيقاً بمواظبته على الشرب والأكل من مائدة الرب. فالإنسان الذي يتغاضى عن هذا الواجب المقدس أو يستهين بالتناول ينتهي به الأمر إلى فقدان الحيوية الروحية وتراجع الحياة الإلهية في داخله. حذر السيد المسيح من هذا التهاون بكلمات جازمة صريحة: «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.»» (يو 6: 53).
توضح هذه الآية الحاسمة أن غياب التناول يعادل غياب الحياة الحقيقية عن النفس. فالمسيحي بطبيعته لا يمكن أن يُسمى حياً إلا إذا كان متصلاً بنبع الحياة ومغتنماً لثمار الفداء. فالرب لم يقدم جسده كخيار اختياري كمالي، بل كضرورة محتمة لبقاء الروح حية أمام الله.
وقد قارن المخلص بين المن المادي الذي أكل منه الآباء في القفر القديم وبين خبز الحياة الإلهي الحقيقي، موضحاً الفارق الأبدي بينهما بكلماته السامية: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هٰذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هٰذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذُلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ.» (يو 6: 48–51).
إن المن في البرية كان ظلاً مؤقتاً ينتهي بشبع الجسد وفنائه، أما الخبز النازل من السماء فهو يهب قواماً أبدياً للنفس، ويمنح المؤمن القوة للغلبة على الموت الروحي والأبدي.
النهج الرسولي وشركة الجسد الواحد في الكنيسة الأولى
انطلق الرسل القديسون في تأسيسهم للكنائس الأولى من هذا النهج الإلهي الذي تسلموه مباشرة من فم الرب. فلم تكن ممارسة سر الإفخارستيا عندهم حدثاً عارضاً، بل كانت المحور الأساسي الذي تلتقي حوله الجماعة المؤمنة وتستمد منه وجودها.
ويشهد سفر أعمال الرسل عن صورة الكنيسة الأولى ومواظبتها الدائمة على هذا السر الباهي قائلاً: «وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ.» (اع 2: 42).
إن مصطلح "كسر الخبز" هنا يعبر بوضوح عن إقامة القداس الإلهي والتناول من الأقداس. ولم تكن هذه الممارسة تتجزأ عن التعليم والصلوات والشركة، بل كانت التاج الذي تتوج به كل ممارساتهم الروحية.
وفي رسائل القديس بولس الرسول، يتضح هذا المفهوم اللاهوتي العميق لسر التناول بوصفه المحرك الأساسي لوحدة الكنيسة وكونها جسداً واحداً للمسيح، حيث يقول: «فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ.» (1كو 10: 17).
كذلك يؤكد بولس الرسول الأصالة الإلهية للتسليم الذي ينقله للثنائيات الكنسية، مستحكماً بنص التسليم الإفخارستي قائلاً: «لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هٰذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اِصْنَعُوا هٰذَا لِذِكْرِي». كَذٰلِك الكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هٰذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعهدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اِصْنَعُوا هٰذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هٰذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هٰذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيَءَ.» (1كو 11: 23-26).
بهذا يتبين أن التناول هو شهادة حية مستمرة بموت الرب الفدائي وقيامته المجيدة، وتعبير عن انتظار مجيئه الثاني، يتجدد في كل مرة تجتمع فيها الكنيسة لإقامة الذبيحة الإلهية.
التناول في التاريخ الكنسي وقوانين المجامع وآباء الكنيسة
عند استقراء تاريخ الكنيسة الجامعة في قرونها الأولى، نجد حقيقة ساطعة تؤكد أن جميع المؤمنين بلا استثناء كانوا يحرصون على التناول من الأسرار المقدسة في كل قداس إلهي يُقام. فلم يكن التناول مقصوراً على طبقة معينة أو فئة خاصة، بل كان يشمل جميع فئات الشعب الإكليكوسي والعلمانيين:
- الكهنة والشمامسة والخدام.
- الرجال والنساء والشباب.
- الأطفال والصبيان.
وقد أثبت هذه الحقيقة التاريخية والطقسية القديس إكليمنضس، موضّحاً عمومية المشاركة في المائدة المقدسة وضرورتها لكافة أفراد الشعب القبطي والكتابي.
ولم يقتصر الأمر على الشهادات الفردية، بل جاء في قوانين الكنيسة الأولى مثل "أوامر الرسل" (Apostolic Constitutions) وقوانين المجامع الكنسية القديمة ترتيب واضح ودقيق لمسار التقدم والتناول، يوضح نظام المشاركة على النحو التالي:
- يتقدم أولاً الأسقف فيتناول من الأسرار المقدسة.
- يعقبه القسوس ثم الشمامسة.
- يتقدم بعد ذلك سائر الشعب المؤمن.
- يتناول الرجال الذكور أولاً، وتتبعهم النساء.
- يستمر الترتيل والتسبيح الكنسي الشجي طوال فترة التناول حتى يفرغ جميع المؤمنين الحاضرين من التناول من القربان والأسرار.
ومن أجل تحقيق هذه الممارسة الشاملة التي تضم جميع الحاضرين دون استثناء، كانت الكنيسة تحرص على إعداد وتقديم قرابين كافية ومستوفاة لمناولة كافة أعضاء الإكليروس والشعب الحاضر.
الخاتمة: الداعي الإلهي للثبات والنمو الروحي
إن الغاية الأساسية التي من أجلها وهبنا الرب يسوع المسيح سر الإفخارستيا هي أن نجد فيه حياة لأنفسنا وغذاءً لأرواحنا. فالتناول ليس مجرد فريضة ظاهرية أو ممارسة تقليدية، بل هو سر المحبة الحقيقية والشركة الفعلية مع الله.
لذا، فإن الواجب الكنسي والروحي يقتضي من كل مؤمن ومؤمنة يسعيان إلى غفران الخطايا والتجديد الروحي الثبات في المسيح عبر التناول المنتظم من ذبيحة القداس الإلهي، مستعدين دائمًا بالتوبة والتنقية لنوال هذه العطية السماوية العظيمة، لكي نحيا به ونثمر فيه إلى الأبد.
إرسال تعليق