"أيها الجلوس قفوا": دعوة للقيامة في قداس المؤمنين

«أيها الجلوس قفوا»: دعوة للقيامة في قداس المؤمنين

"أيها الجلوس قفوا": دعوة للقيامة في قداس المؤمنين

يُعَدُّ القداس الإلهي احتفالًا بقيامة ربّنا يسوع المسيح من بين الأموات، وهو الحدث الذي تُجددُ فيه ذاكرتنا للقيامة وتُستَقبلُ فيه قوة قيامته لتَحْيَا في حياتنا اليومية. من بين الصلوات والتسابيح التي تُتلى في هذا القداس يبرز نداء الشماس المميَّز: «أيها الجلوس قفوا».


أكثر من مجرد وقوف

قد يَظهر هذا النداء للوهلة الأولى كدعوة حرفية للقيام من الجلوس، لكنه يحمل في طياته معنىً أعمقَ بكثير. ففي النص اليوناني الأصلي للقداس يُستَخدم الفعل «ἀνίστητε» (أنستي تيه) الذي يعني «قُموا» أو «انهضوا»، وهو إشارة صريحة إلى قيامة المسيح التي تُعْلِنُ انتصار الحياة على الموت. وبالتالي لا يقتصر النداء على الحركة الجسدية فحسب، بل يَدعُو المؤمن إلى قيامٍ روحيٍّ يُعَادِلُ قيامِ المسيح.


الاحتفال بقيامة الرب

يُذكِّرنا الشماس بهذا النداء بالمناسبة الكبرى التي نجتمع من أجلها: الاحتفال بقيامة ربّنا يسوع. كما قام المسيح من بين الأموات، فإننا مدعوون إلى القيام معه إلى حياةٍ جديدةٍ، حياةٍ مُفعمةً بالنور والرجاء. يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس:

«أَفَإِنْ مَاتَ مَتَىً فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ» (١ كورنثوس ١٥: ٥٥).

بهذا النصّ يُؤكَّد أن قيام المسيح ليس حدثًا تاريخيًا فحسب، بل هو واقعٍ مستمرٍ يَحْتَضِنُ كل من يَسْلُكُ طريق الإيمان.


دعوة للقيام من الظلمة

يُوجِّه الشماس نداءه إلى «الجلوس» ليس بالمعنى الحرفي فقط، بل يشمل كل من يجلس في ظلمة الخطيئة واليأس. فالمصطلح يَحملُ دلالةً رمزيةً على حالة الروح التي تُقَعُ في السكون الروحيّ. بالدعوة إلى النهوض مع المسيح، يُحَثُّ الشماس المؤمنين على الانطلاق في رحلة القيامة التي تُجددُ حياتهم وتُنيرُ قلوبهم بنور الفداء.


غياب النداء في قداس الموعوظين

لا يُستَخدم هذا النداء في قداس الموعوظين، لأنَّ الموعوظين لم يَتَلَقَّوا سرَّ المعمودية بعد، وبالتالي لم يُدْخَلوا بعد في شركة موت المسيح وقيامته. فالمعْمودية هي الباب الذي يَفتحُ به المؤمن باب المشاركة في موت المسيح وقيامته، ومن ثمّ يصبحُ نداء «أيها الجلوس قفوا» مناسبًا له في قداس المؤمنين.


القيامة في حياتنا

لا يقتصر معنى القيامة على حدثٍ تاريخيٍ واحد؛ بل هي دعوةٌ مستمرةٌ لكل مؤمنٍ ليعيش قيامة المسيح في حياته اليومية. عندما نتخلّى عن الخطيئة، ونفتح قلوبنا لنور المسيح، نبدأ رحلة قيامةٍ شخصيةٍ تُنقذُنا وتُقوِّي إيماننا. كما يَقول الإنجيل:

«لا تَحْسِبُوا أَنَّنِي جِئْتُ لِأُقَدِّمَ لَكُمْ نَارًا، بَلْ لأُقَدِّمَ لَكُمْ حَيَاةً» (يوحنا ٥: ۲٤).

بهذا النصّ يُظهرُ يسوع أن هدفه هو إضفاء الحياة الأبدية على كل من يقبلُ دعوته، وهو ما يَتَجَلّى في كل مرةٍ يَقفُ فيها المؤمن على نداء «قفوا».


القداس: ينبوع حياة

بهذا النداء العميق، يتحول القداس الإلهي إلى أكثر من مجرد طقسٍ ديني؛ فهو ينبوع حياةٍ يَجددُ فينا روح القيامة ويُلْهِمُنا لنكون شهودًا على قوة المسيح المُخلِّصة في العالم. كلُّ كلمةٍ تُقال، وكلُّ إيماءةٍ تُؤدّى، تُعيدُ إحياءَ الوعدِ الذي أعطاه لنا ربّنا: قيامةٌ لا تنتهي، وحياةٌ تُنْتَجُ عن الإيمان الصادق.

Post a Comment

أحدث أقدم