أسئلة متكررة حول الأيقونة
للأب جون وايتفورد - معهد الصليب المقدس، نيويورك
تُطرح حول الأيقونة أسئلة كثيرة في الكنيسة وخارجها. في هذا المقال نعرض أبرز هذه الأسئلة مع إجاباتها اللاهوتية والتاريخية المستندة إلى الكتاب المقدس وتقليد الآباء وقرارات المجامع المسكونية.
1- ما هي الأيقونة؟
الأيقونة هي صورة، تكون غالبًا ثنائية الأبعاد، للسيد المسيح، وللسيدة العذراء، وللقديسين، وكذلك للحوادث والأمثال الكتابية، وحتى لأحداث من تاريخ الكنيسة.
وهي بهذا المعنى نص مكتوب بالألوان. كما يقول القديس غريغوريوس الذيالوغوس في رسالته إلى سيرينوس أسقف مرسيليا: «كما تقدم النصوص المقدسة للقراء، فإن هذه الصور تقدم لغير المتعلمين والجهال الأميين ما ينبغي لهم أن يتبعوه».
قد يعترض البعض اليوم على هذه الوظيفة التعليمية بحجة انتشار العلم، لكن هذا الاعتراض يتجاهل نسب الأمية الواسعة التي ما زالت قائمة، ويتجاهل حقيقة أنه حتى في المجتمعات المتعلمة تعليمًا كاملًا، يبقى الأطفال شريحة كبيرة من الأميين وغير المتعلمين الذين يحتاجون إلى الصورة ليفهموا.
لكن الجدل حول الوظيفة التعليمية يتغاضى عن الوظيفة الأخرى الأعمق للأيقونة، وهي أنها رافعة للأذهان من الأمور الأرضية إلى السماوية.
وهنا يتكلم القديس يوحنا الدمشقي فيقول: «نحن منقادون بالأيقونة لتأمل كل ما هو سماوي إلهي روحي، وهكذا نحفظ، حينما نحافظ على ذكرى القديسين أمامنا من خلال الأيقونة، فإننا نُلهم محاكاة القديسين من صورهم».
ومن المفيد أن نتذكر في هذا السياق ما يُروى عن القديس غريغوريوس النيصصي، أنه لم يستطع أن يعبر أمام أيقونة تقدمة إسحاق ذبيحة دون أن تدمع عيناه. وقد صارت هذه الحادثة مادة استشهد بها المجمع المسكوني السابع، إذ قيل: إن كانت أيقونة قد ساعدت أبًا قديسًا مثله وعاونته حتى ذرف الدمع، فكم بالحري تكون بالنسبة للبسطاء وغير المتعلمين مناخًا وسببًا للتوبة.
2- هل يصلي الأرثوذكس للأيقونة؟
هذا سؤال بسيط وشائع. إن المسيحيين عمومًا يصلون بوجود الأيقونة، كما كان بنو إسرائيل يصلون بحضور الأيقونات والرموز في الهيكل.
لكننا لا نصلي إلى الأيقونات، بل نصلي أمامها ونحن نكرمها. فالأيقونة حاضرة في الصلاة كشاهد ومذكِّر، وليست هي هدف الصلاة ذاته.
3- هل تجترح الأيقونات العجائب؟
لوضع هذا السؤال في منظاره الصحيح، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مسائل مشابهة من الكتاب المقدس:
هل كان تابوت العهد يجترح العجائب؟ انظر يشوع 3: 15، وصموئيل الأول 4-6، وصموئيل الثاني 6: 11-12.
هل كانت الحية البرونزية تشفي الملدوغين من الحيات؟ انظر العدد 21: 9.
هل كانت عظام النبي أليشع قد أقامت رجلًا ميتًا؟ انظر الملوك الثاني 13: 21.
ألم يكن ظل القديس بطرس يشفي كل مرض؟ انظر أعمال الرسل 5: 15.
أما كانت المناديل والمآزر التي تمس جسد القديس بولس تشفي كل مرض وتطرد كل روح شرير؟ انظر أعمال الرسل 19: 12.
مما سبق نلاحظ أن الجواب هو نعم، لكن ليس بالمعنى الحرفي المستقل، لأنه اختيار الله أن يصنع عجائب وقوات من خلال هذه الأشياء.
ففي حالة تابوت العهد والحية البرونزية، لدينا صور اعتاد الله أن يصنع العجائب من خلالها، والله هو من صنع تلك العجائب. وكذلك من خلال ذخائر النبي أليشع، ومن خلال ظل القديس بطرس، ومن خلال أشياء بالكاد لمست جسد قديس.
وهذا يقودنا إلى تساؤل أكبر: لماذا؟
لأن الله يكرم الذين يكرمونه، كما جاء في صموئيل الأول 2: 30، وهو يأخذ بهجة وفرحًا في صنع هذه العجائب من خلال قديسيه، بل وحتى من خلال وسائل غير مباشرة.
والحقيقة أن الله يستطيع أن يقدس المادة، وهذه ليست مفاجأة لمن يقرأ الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال، لم يكن المذبح مقدسًا فقط، بل أيضًا كل شيء يمس المذبح كان مقدسًا بنفس القدر، كما ورد في الخروج 29: 37.
أما المقولة القائلة بأن الله لا يعمل من خلال المادة، فهي فكرة غنوصية. وبنفس القدر من التدقيق، نعم، الأيقونات تجترح العجائب، والله هو الفاعل بها.
4- هل يعبد الأرثوذكس الأيقونات؟ وما الفرق بين الإكرام والعبادة؟
الأرثوذكس لا يعبدون الأيقونات بالمعنى المقصود بكلمة يعبد اليوم. وقد جاء الالتباس من بعض ترجمات الكتاب المقدس التي ترجمت الكلمة اليونانية الكتابية «بروسكينيو» proskyneo، والتي تعني ينحني أو مطانية أو يسجد، إلى كلمة يعبد.
والواقع أن الكلمة الأصلية قديمًا كانت تأتي بمعان متعددة أوسع مما هي عليه الآن، إذ كانت تُستخدم في التشريفات الملكية والإكرام. والمسألة الأساسية أنه قد تمت ترجمة كل الكلمات التي تعني الإكرام والسجود والمطانية إلى كلمة العبادة، الأمر الذي يخلق لبسًا كتابيًا حول السجود لغير الله.
وعلى سبيل المثال، إن كلمة إكرام worship في نصوص صلاة الإكليل هي ذاتها كلمة بروسكينيو الكتابية في العهد القديم والجديد، لكنها تُرجمت بمعناها الصحيح إكرامًا وليس سجود عبادة. فالكلمة تسير كتابيًا بمعنيين، ومن غير المعقول أن تعبد العروس العريس، بل أن تكرمه.
فنحن نقدم السجود الإكرامي للأيقونات لأنها تشير وتدل إلى ما هو مصور عليها، فنحن لا نعبد الأيقونات.
والسجود للأيقونات واحترامها يؤخذ بنفس التشريف والإكرام الذي به نوقر العلم الوطني، فأنت لا تكرم القماش والألوان بقدر ما تكرم الوطن الذي يمثله العلم.
وهذا هو السبب الذي حدا بالمجمع المسكوني السابع أن يقر في قوانينه ما يلي: «إننا باتباعنا الطريق الملكي والتعليم الإلهي وتعاليم الكنيسة الجامعة، عالمين أنه موحى بها من الروح القدس الذي يحيا فيها، فإننا نقرر بمنتهى الصحة والتدقيق أنه كما الصليب المكرم، فإن كل الأيقونات المرسومة والمصنوعة من حجارة صغيرة وأي مادة تخدم الغرض ذاته، فإنه يجب وضعها في الكنائس والبيوت والطرقات، أكانت هذه الأيقونات للرب الإله والمخلص يسوع المسيح، وللسيدة والدة الإله، وللرسل والملائكة المقدسين ولقديسي الرب. لأنه في كل مرة ننظر ونتأمل بهم فإننا نتذكر الأصل فننمو بحبهم أكثر، مكرمين إياهم بالسجود proskyneo والتقبيل، وليس العبادة الحقة latreia التي هي في إيماننا من حق الطبيعة الإلهية وحدها. ولكن أيضًا نكرم الأيقونات بنفس الطريقة التي نكرم بها الصليب المكرم والإنجيل المقدس والأشياء المقدسة الأخرى بالشموع والبخور، وذلك جريًا على عادة آبائنا، لأن الشرف والإكرام للصورة يعود إلى نموذجها الأساسي، والشخص الذي يكرم الأيقونة إنما يكرم الشخص الذي تمثله. هذا هو تعليم آبائنا وتقليد الكنيسة الجامعة التي تنشر الإنجيل من أقاصي الأرض إلى أقاصيها».
في الواقع، إن من يفهم الاختلاف الكتابي بين العبادة adoration والتعبد والإكرام worship هم اليهود. فاليهودي الغيور يقبّل المزوزة على طرف بابه، وهو يقبّل نقاب صلاته قبل أن يضعه على نفسه، ويقبّل أيضًا الشرائط الجلدية قبل أن يلفها على جبهته وذراعه، وهو يقبّل التوراة قبل أن يقرأها في المجمع. والسيد المسيح نفسه كان يفعل كل هذه الأمور عندما كان في المجمع، والمسيحيون الأولون فهموا هذا التفريق الكتابي.
ومن الأمثلة على ذلك استشهاد القديس بوليكاربوس أسقف إزمير الذي كان تلميذ القديس يوحنا اللاهوتي، والذي دُوّنت شهادته من قبل شهود عيان من كنيسته، حيث يصف كيف كان الرومان يغالون في منع المسيحيين من إكرام الشهيد والسجود له بمخافة، كما قيل: «كان عليهم إنزال ذلك المصلوب وإكرامه والتعبد له. وقد تم هذا في جو من العجلة والخوف من اليهود الذين كانوا يراقبون كل ما يجري عن كثب، بينما كنا نحن نأخذ الجسد المكرم من النار، غير عالمين بأنه لن يكون مستحيلًا علينا لأجل المسيح الذي تألم وصلب لأجل خطايانا، لأنه ابن الله، وذلك ليس لكي نعبد أحدًا سواه، لكن كشهيد ورسول على شبه الرب الذي نكرمه كما يستحق لمطابقته معلمنا وملكنا».
ويكمل النص: «لكن اليهود ارتفعوا بالمعارضة وقاموا كالعادة بإحراق الجسد الشريف واضعين إياه في منتصف النار. لذا اندفعنا آخذين العظام الشريفة التي هي أثمن من الجواهر وأرفع وأنقى من الذهب المصفى، لوضعها في مكان مناسب، حيث سيسمح الله لنا بالتجمع كلما أمكن بفرح وبهجة محتفلين بيوم ميلاده الاستشهادي، لأجل الذين جاهدوا في تلك الحلبة من الشهداء».
إرسال تعليق