فَرَحُ التَّلاَمِيذِ بِرُؤْيَةِ الرَّبِّ: يَنْبُوعُ حَيَاةٍ لاَ يَنْضَبُ

فِي مَسَاءِ أَحَدِ الْقِيَامَةِ الْمَجِيدَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الأَبْوَابُ مُغْلَقَةً خَوْفًا، حَلَّ الْفَرَحُ الإِلَهِيُّ الْعَظِيمُ عَلَى قُلُوبِ التَّلاَمِيذِ؛ إِذْ ظَهَرَ لَهُمُ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ الْقَائِمُ مُنْتَصِرًا عَلَى الْمَوْتِ، وَمَنَحَهُمْ سَلاَمَهُ الْفَائِقَ الَّذِي يَنْزِعُ كُلَّ خَوْفٍ، كَاشِفًا لَهُمْ عَنْ جِرَاحَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي صَارَتْ عِلاَمَةَ غَلَبَةٍ وَمَجْدٍ. وَكَمَا يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: «فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ» (يوحنا 20: 20).
فَمَا هُوَ سِرُّ هَذَا الْفَرَحِ الْعَارِمِ الَّذِي غَمَرَ أَرْوَاحَهُمْ وَتَجَاوَزَ حُدُودَ الزَّمَانِ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُنَا نَحْنُ أَيْضًا، فِي كَنِيسَةِ الْقِيَامَةِ، أَنْ نَحْيَا هَذَا الْفَرَحَ الْمُحْيِيَ وَنَنْتَعِشَ بِهِ فِي مَسِيرَتِنَا الْيَوْمِيَّةِ؟
أَوَّلًا: اِنْتِصَارُ الْمَسِيحِ عَلَى الْمَوْتِ: يَنْبُوعُ قُوَّةٍ لاَ يُقْهَرُ
لَقَدْ كَانَ فَرَحُ التَّلاَمِيذِ نَابِعًا مِنْ إِدْرَاكِهِمْ لِعَظَمَةِ القُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي دَحَرَتْ سُلْطَانَ الْمَوْتِ. فَالْمَسِيحُ، رَغْمَ الآلاَمِ الْمَبْرَحَةِ الَّتِي احْتَمَلَهَا طَوْعًا، وَجِرَاحَاتِهِ النَّازِفَةِ عَلَى الصَّلِيبِ، لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا، بَلْ قَامَ بِقُوَّةِ لاهُوتِهِ مُعْلِنًا نُصْرَتَهُ التَّامَّةَ.
هَذَا الاِنْتِصَارُ الْعَظِيمُ يُشْعِلُ فِي قُلُوبِنَا رَجَاءً حَيًّا؛ فَإِيمَانُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ تَعَالِيمَ، بَلْ هُوَ ارْتِبَاطٌ بِإِلَهٍ حَيٍّ قَوِيٍّ لاَ يُقْهَرُ، نَسْتَمِدُّ مِنْهُ الْقُوَّةَ لِمُوَاجَهَةِ ضَعَفَاتِنَا وَتَحَدِّيَاتِ الْحَيَاةِ، عَمَلًا بِوَصِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: «أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوَّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ» (أفسس 6: 10).
لَقَدْ كَسَرَ الْمَسِيحُ شوكَةَ الْمَوْتِ، ذَلِكَ الْعَدُوِّ الشَّرِسِ الَّذِي أسَرَ الْبَشَرِيَّةَ الدَّهْرَ كُلَّهُ؛ فَعِنْدَمَا ظَنَّ الْمَوْتُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ابْتِلاَعِ أَمِيرِ الْحَيَاةِ، دَاسَهُ الرَّبُّ بِمَوْتِهِ، وَأَنَارَ الْخُلوُدَ، وَأَعْتَقَ الأَبْرَارَ المَأْسُورِينَ. وَبِهَذِهِ الْقِيَامَةِ الْمُبَارَكَةِ، لَمْ يَعُدِ الْمَوْتُ لِلْمُؤْمِنِينَ نِهَايَةً أَوْ عَدَمًا، بَلْ صَارَ مُجَرَّدَ جِسْرٍ وَانْتِقَالٍ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ الْمَسِيحِ الْقَائِمِ.
ثَانِيًا: جِرَاحَاتُ الْمَسِيحِ: شَهَادَةُ حُبٍّ لاَ تُضَاهَى
لَمْ يَكُنْ كَشْفُ الْمَسِيحِ عَنْ جِرَاحَاتِهِ لِتَلاَمِيذِهِ مُجَرَّدَ دَلِيلٍ حِسِّيٍّ لإِثْبَاتِ حَقِيقَةِ قِيَامَتِهِ أَوْ تَأْكِيدِ هُوِيَّتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ إِعْلاَنًا عَنْ عُمْقِ مَحَبَّتِهِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي لاَ تُقَاسُ.
فَالْجِرَاحَاتُ الَّتِي احْتَفَظَ بِهَا فِي جَسَدِهِ الْمُمَجَّدِ هِيَ وثِيقَةُ حُبٍّ أَبَدِيَّةٌ؛ لَقَدْ زَارَهُمْ وَهُوَ يَحْمِلُ آثَارَ المَسْمَارِ وَالْحَرْبَةِ لِيُنَادِيَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الآلاَمَ قَدْ حُمِلَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ. إِنَّ رُؤْيَةَ التَّلاَمِيذِ لِهَذِهِ الْجِرَاحَاتِ الْمُقَدَّسَةِ أَلْهَبَتْ قُلُوبَهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالْعِرْفَانِ لِلْفَادِي الَّذِي اجْتَازَ مَعْصَرَةَ الآلاَمِ وَحْدَهُ حُبًّا فِي الْبَشَرِيَّةِ، لِيَهَبَهُمُ الشِّفَاءَ وَالْخَلاَصَ.
ثَالِثًا: حُضُورُ الْمَسِيحِ الدَّائِمُ: يَنْبُوعُ عَزَاءٍ لاَ يَنْضَبُ
عِنْدَمَا صُلِبَ الرَّبُّ يَسُوعُ وَدُفِنَ، اسْتَبَدَّ الْحُزْنُ بِالتَّلاَمِيذِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ خَسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ: خَسِرُوا الرَّاعِيَ الصَّالِحَ الَّذِي كَانَ يَحْمِيهِمْ، وَالصَّدِيقَ الْعَطُوفَ الَّذِي يُعَزِّيهِمْ، وَالْمُعَلِّمَ الصَّادِقَ الَّذِي يَهْدِيهِمْ، صَاحِبَ السُّلْطَانِ الإِلَهِيِّ وَالْقَلْبِ الْمَمْلُوءِ رَحْمَةً.
وَلَكِنَّ الظُّهُورَ الإِلهِيَّ بَعْدَ الْقِيَامَةِ أَعَادَ لَهُمُ الأَمَلَ وَبَدَّدَ كُلَّ يَأْسٍ؛ إِذْ وَقَفَ المَسِيحُ فِي وَسَطِهِمْ وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ سَلاَمَهُ، مُؤَكِّدًا لَهُمْ هَذَا الوَعْدَ الإِلَهِيَّ الثَّابِتَ: «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (متى 28: 20).
إنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَعِيشُ بَعِيدًا عَنِ الْمَسِيحِ يَبْقَى رُوحِيًّا كَالْيَتِيمِ، يُعَانِي مِنَ الْفَرَ اغِ وَالْخَوْفِ، وَيِفْتَقِرُ إِلَى الطَّمَأْنِينَةِ وَالسَّنَدِ الْحَقِيقِيِّ. أَمَّا الَّذِي يَحْتَضِنُ حُضُورَ الْمَسِيحِ فِي حَيَاتِهِ وَيَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى قَلْبِهِ، فَقَدْ حَازَ الْكُنُوزَ كُلَّهَا، وَصَارَ غَنِيًّا بِالرَّجَاءِ، وَمُعَزًّى بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَمَحْمِيًّا بِقُوَّةِ رَاعِيهِ الصَّالِحِ.
رَابِعًا: اِنْتِصَارُ الْحَقِّ: يَنْبُوعُ رَجَاءٍ لاَ يَنْضَبُ
أَكَّدَتْ قِيَامَةُ الْمَسِيحِ الْمَجِيدَةُ أَنَّ الْحَقَّ مَهْمَا صُِلِبَ أَوْ وُضِعَ فِي قَبْرٍ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَقُومَ وَيَنْتَصِرَ فِي النِّهَايَةِ، وَأَنَّ قُوَّى الظَّلاَمِ وَالْمَكْرِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهَا الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ.
لَقَدْ فَرِحَ التَّلاَمِيذُ لأَنَّهُمْ شَاهَدُوا سُقُوطَ سُلْطَانِ الشَّرِّ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالظُّلْمِ، وَأَدْرَكُوا أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هُوَ مَلَكُوتُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْمَحَبَّةِ الَّذِي يَدُومُ إِلَى الأَبَدِ. هَذَا الاِنْتِصَارُ يَمْنَحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ جِيلٍ ثَبَاتًا وَرَجَاءً سَمَاوِيًّا، فَلاَ يَزْتَزِعُونَ أَمَامَ الضَّغَائِطِ أَوْ ضِيقَاتِ هَذَا الْعَالَمِ.
الْفَرَحُ الدَّائِمُ: يَنْبُوعُ حَيَاةٍ لاَ يَنْضَبُ
إِنَّ ذَلِكَ الْفَرَحَ الأَقْدَسَ الَّذِي مَلأَ قُلُوبَ التَّلاَمِيذِ يَوْمَ قِيَامَةِ الرَّبِّ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا تَارِيخِيًّا عَابِرًا، بَلْ هُوَ يَنْبُوعٌ حَيٌّ لاَ يَزَالُ يَسْرِي فِي جَسَدِ الكَنِيسَةِ، وَيَفِيضُ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَرْتَبِطُ بِالْمَسِيحِ ارْتِبَاطًا حَقِيقِيًّا.
إِنَّهُ الْفَرَحُ الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَمُوتُ مَعَ الْمَسِيحِ وَيَقُومُ مَعَهُ فِي سِرِّ الْمَعْمُودِيَّةِ الْمُقَدَّسِ، وَيَخْتَارُ بِإِرَادَتِهِ أَنْ يَسْلُكَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ، حَامِلاً صَلِيبَهُ بِصَبْرٍ، وَمُنْتَصِرًا بِقُوَّتِهِ عَلَى إِغْرَاءَاتِ الْعَالَمِ وَشَهَوَاتِهِ.
فِي هَذَا الْجَهَادِ الرُّوحِيِّ، يَأْتِي الرَّبُّ يَسُوعُ الْقَائِمُ وَيُعْلِنُ ذَاتَهُ لِلْنَفْسِ الأَمِينَةِ، وَيَهَبُهَا سَلاَمَهُ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، فَتَفْرَحُ بِرُؤْيَتِهِ فَرَحًا رُوحَانِيًّا خَالِدًا، لاَ تَسْتَطِيعُ لُغَاتُ الأَرْضِ أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ عَمَقِهِ وَأَمْجَادِهِ!
إرسال تعليق