
بناء الأجيال: دور القادة الروحيين في تربية الأطفال على الحب والقبول
عند صُدَفِي لقاءً إعلاميًا جمع بين القداسة البابا تواضروس وطفلاً طرح سؤالًا حول آراء الطوائف المسيحية المختلفة، لم يكن لهذا الحدث أن يمر مرور الكرام. بل أثار في نفسي تأملًا عميقًا حول ما يتحمله القادة الروحيون من مسؤولية في صقل أجيالٍ تنمو على أسس المحبة والقبول المتبادل.
ردّ البابا تواضروس كان مفعمًا بالحكمة والتفهّم؛ فبدلاً من الانزلاق إلى فخ التعصب أو التحامل، اختار أن يوجّه الطفل بحنكة إلى فكرة أنَّنا جميعًا مسيحيون، نؤمن بكتابٍ مقدسٍ واحدٍ، ونطمح إلى الملكوت السماوي كغايةٍ نهائية. قال: «نحن جميعًا أبناء إيمانٍ واحد، والكتاب الذي نقرؤه هو نفسه، والهدف هو أن نصل إلى ملكوت الله».
المقارنة بين الكنيسة والأم التي استخدمها البابا تواضروس تُظهر عمق المحبة والولاء. فكما لا يترك الإنسان أمه وبيته مهما اشتدت الظروف، كذلك لا يجوز للمسيحي أن يتخلّى عن كنيسته مهما واجه من صعوبات. إن هذا التشبيه يرسّخ فكرة أنَّ الانتماء إلى الكنيسة هو جزء لا يتجزأ من هوية الإنسان الروحية، وهو ما يدعو إلى احترام وتقدير كل من يشاركنا هذا الانتماء.
إنّ القادة الروحيين الذين يزرعون في قلوب الأطفال قيمَ المحبة والقبول لا يزرعون فيهم بذور التعصب أو التحامل، بل يُشجعونهم على الاحترام والتعايش السلمي مع الآخرين. وهذا ما يتجلى في النصوص المقدسة التي تُؤكِّد على هذه القيم:
- «أَنا أُعْطِيكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَنِّي أَحْبَبْتُكُمْ، فَأَنْتُمْ أَيْضًا أَنْ تُحِبُّوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا» (يوحنا 13:34).
- «هَا هُوَ مَا يَجْعَلُ الْمُسْتَطِيعُ أَنْ يَسْكُنَ فِي وَحْدَةٍ مَعًا، مَا أَجْمَلَ هَذَا!» (مزمور 133:1).
هذه الآيات تُظهر أنَّ المحبة المتبادلة ليست مجرد فكرةٍ نظرية، بل هي وصيةٌ إلهيةٌ تُعلي من شأن الوحدة بين المؤمنين.
تقدير القادة الروحيين الذين يرسّخون في نفوس الأطفال قيمَ الحب والقبول لا يقتصر على شكرٍ لفظيٍ فحسب، بل يتطلب دعمًا عمليًا لتلك الرسائل السامية. فكلما ارتقينا إلى مستوىٍ أعلى من التفاهم والاحترام، كلما أسسنا مجتمعاتًا متفتحةً ومتقبلةً تُعطي مساحةً للتنوع الروحي والثقافي دون أن تُهدر في خضم النزاعات.
إنّ هذا الجهد الجماعي يساهم في بناء مستقبلٍ أفضلٍ للجميع، حيث تزدهر العلاقات الإنسانية وتنتعش القيم الروحية والاجتماعية. لذا، علينا أن نُعْلِنَ شكرنا وتقديرنا لهؤلاء القادة، وأن نُسْهِمَ جميعًا في نشر رسالتهم السامية وتعزيز قيمِ الحبِّ، والتسامحِ، والسلامِ في أوساطنا، سعيًا لتحقيق رؤيةٍ مشتركة لعالمٍ أكثر إنسانيةً ورحمةً.
إرسال تعليق