
كنيسة المشرق ليست نسطورية
إنّ نسطوريوس لم يُولد في بلاد ما بين النهرين، ولم يكن بطريركًا لكنيسة المشرق؛ بل شغل منصب بطريرك القسطنطينية. ولا يُعدّ نسطوريوس نسطوريًا بالمعنى العقائدي الهرطوقي؛ فمعظم مؤلفاته حُرقت، ولا يبقى منها سوى كتاب Liber Heraclidis الذي ألفه في منفاه، ولا يُظهر فيه أي إشكالٍ مع الإيمان القويم.
هذه المزاعم التي تُروّجها خصوم الكنيسة لا تستند إلى دليلٍ تاريخي؛ فليس نسطوريوس ولا كنيسة المشرق قد اعترفا قط بوجود شخصين في المسيح. ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ ما يُطلق عليه “النسطورية” هو بدعة خيالية، وأن الاختلاف الحقيقي يكمن في اللغة والمصطلحات المتبعة، وهو ما ينطبق تمامًا على السريان الأرثوذكس.
إنّ صمت كنيسة المشرق إزاء مجمعي أفسس وخلقيدونيا يعود إلى عدم مشاركتها فيهما وعدم معرفتها الكافية بتفاصيلهما، وذلك نتيجة لغياب العلاقات بين الكنيسة في بلاد فارس والكنائس داخل الإمبراطورية الرومانية، حيث سادت النزاعات الدائمة بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.
وبالرغم من الصعوبات والاضطهادات والتحديات التي واجهتها، اعتبرت كنيسة المشرق نفسها جزءًا من الكنيسة الجامعة. غير أن كونها خارج حدود المملكة الرومانية وخاضعة للسلطة الفارسية حال دون إقامة علاقات مباشرة مع الكنيسة الغربية، ومنعها من المشاركة في المجامع المسكونية التي كانت تُعقد ضمن الإطار الروماني.
في تلك المجامع كان الدين يلتقي بالثقافة والاجتماع والسياسة، وغاب الحوار الصادق والمنفتح الذي يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. ساد جوٌّ من الجدالات والصراعات، وهو ما نراه اليوم بين المحافظين والمُحدّثين. لذا سعت كنيسة المشرق إلى تأطير وضعها عبر مجامعها الخاصة التي عُقِدت في أعوام 410، 420، 424، و486 م.
أظهرت هذه المجامع أن كنيسة المشرق كانت منظمةً تمامًا. أما ما يُقال عن تدخل “الآباء الغربيين” (كنيسة أنطاكيا) في شؤونها الإدارية، فهو ادعاء يفتقر إلى دليلٍ علمي. وما وصل من رسائل “الآباء الغربيين” إلى المشارقة هو القوانين التي جلبها ماروثا أسقف ميافرقين عام 410، وتبناها مجمع إسحاق في السنة نفسها.
وبسبب ظروفها الجغرافية والسياسية والثقافية واللغوية، بُثّت كنيسة المشرق خارج أسوار الإمبراطورية الرومانية، فكان تأثير “اليوناني‑الغربي” عليها محدودًا. ولم يتجلى هذا التأثير إلا في فترات لاحقة، عندما تُرجمت كتب آباء مدرسة أنطاكيا إلى السريانية، لا سيما مؤلفات ثيودورس أسقف مصيصة، وهو لاهوتي بارز. وقد تأثرت كنيسة المشرق بكتبه، لكنه لم يُصبح “ملفّها الأعظم” كما يُزعم أحيانًا، ولا علاقة له بنسطوريوس.
إنّ كنيسة المشرق (ونسطوريوس) يؤمنان بشخصٍ واحدٍ في المسيح، هو ابن الله الوحيد، ولا يقرّان بوجود شخصين منفصلين. إنّ إسناد مذهب ازدواجية الشخص إلى الكنيسة الشرقية هو خطأ واضح ومضحك. فذكر “أقنومين” أو “طبيعتين” إلهية وإنسانية في المسيح يُقابل دائمًا إقرارًا بـ“الشخص الواحد – يسوع المسيح”، وهو نفسه موضوع العبادة والسجود. وبالتالي، تكمن مشكلة الكريستولوجيا المشرقية في الاختلاف اللغوي والمصطلحات التي تُترجم أحيانًا إلى مرادفات للعبارات اليونانية واللاتينية، وهذا ما يُظهر الخطأ بوضوح.
ينظر الآباء المشرقيون إلى المسيح، ابن الله، من منظورٍ خلاصِيّ (التدبير) ينبع من تجربةٍ شخصيةٍ واقعيةٍ، لا من تأملٍ فلسفيٍّ مجرد. هذا الخلاص هو تصميمٌ إلهيٌّ، وتتمحور النقطة المحورية فيه حول المسيح، إلى درجة أنَّهم أطلقوا عليه لقب “شخص التدبير”.
يقول اللاهوتي الكبير ابن العبري مفريان، أسقف كنيسة السريان الأرثوذكس في القرن الثالث عشر: «إنّ النساطرة واليعاقبة والخلقدونيين يتقاتلون فقط على تسمية “الاتحاد”، لكن تعليمهم عن الثالوث والحفاظ على الطبيعتين للمسيح دون خلط هو تعليمٌ واحد».
وهذا القول يتماشى مع ما أوردته محاضرة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو في مؤتمر حول كريستولوجيا الكنائس الشرقية بجامعة سانت جورج في فرانكفورت، بتاريخ 22 أيلول 2017، حيث أكد على وحدة الشخص المسيحي وتعدد طبيعتيه دون إحداث انقسامٍ في الهوية الكريستولوجية.
إرسال تعليق