العظة الثلاثون من عظات القديس مقاريوس الكبير فقرة ٢، ٣

العظة الثلاثون من عظات القديس مقاريوس الكبير فقرة ٢، ٣

العظة الثلاثون من عظات القديس مقاريوس الكبير

إنّ ربنا يسوع المسيح، حينما أراد أن يخلص البشرية، استعمل منذ الفجر الأولّ كلّ وسيلة من وسايل عنايته، فكان ذلك عبر الآباء، والبطاركة، والنّاموس، والأنبياء. ثم جاء هو بنفسه، محتضنًا صليب الفداء، محتملًا الموت، ليُظهر أسمى درجات التضحية من أجل الخلاص.

وكان كلّ جهده وعنايته موجهةً إلى هدفٍ واحدٍ: أن يُولِّد من ذاته، ومن طبيعته الإلهية، أولادًا بالروح. فالمسيح سُرّ بأن هؤلاء الأولاد يجب أن يولدوا من الروح، أي من نفس لا هوته، كما قال الرب: «إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله» (يو 3: 3).

وبالمقابل، فإن الآباء الذين لا يولدون أولادًا بالروح يَحْزَنون، لأن ربّنا، الذي أحبّ جنس البشر لأنهم صُورته، أراد أن يُولِّدهم من زرع لاهوتِه الخاص. فكلُّ من لا يَتَلقَّى هذه الولادة الروحية يبقى في حزن المسيح، الذي تحمل آلامًا عظيمةً من أجلهم، وصبر على تلك الآلام كثيرًا لِيُخلّصهم.

إنّ الربّ يَريدُ أن ينال كلّ الناس امتيازَ هذه الولادة، فمات لأجل الكل ودعا الجميع إلى الحياة. ولكنّ الحياة الحقيقية هي الولادة من فوق، أي من الله، ولا يمكن للنفس أن تحيا دونها. وقد أكّد يسوع هذا في إنجيل يوحنا: «وكل الذين قبلوه آمنوا باسمه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولادًا» (يو 1: 12)؛ «الذين لم يولدوا من دمٍ ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله» (يو 1: 13).

ومن الناحية الأخرى، فإنّ كلّ من يؤمن بالرب ويقبل امتياز هذه الولادة يصبح سببًا لفرحٍ وسرورٍ عظيمٍ في السماء، لآبائه الذين وُلدوا منه، وكذلك للملائكة والقوى المقدسة التي تفرح بالنفس التي تُولَّد من الروح وتصبح هي نفسها روحًا.

إنّ الجسد يُعَدُّ مثالًا ومشابهًا للنفس؛ فالنفس هي صورة الروح. وكما أن الجسد بلا نفسٍ يكون ميتًا ولا يستطيع أن يفعل شيئًا، فإنّ النفس بلا الروح السماوية—أي بلا الروح الإلهية—تكون ميتة عن الملكوت ولا تملك القدرة على القيام بأمور الله. لذا فإنّ الولادة الروحية هي التي تُحيي النفوس وتُدخِلها في ملكوت الله.

العظة الثلاثون من عظات القديس مقاريوس الكبير – فقرة ٢، ٣

ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد

Post a Comment

أحدث أقدم