المزمور 151: داود الصغير والنبوة عن قيامة المسيح

يَحتلّ المزمور 151 مكانةً فريدةً في تراث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهو مزمورٌ قصيرٌ لم يُحفظ في النصّ العبري الماسوري للعهد القديم، وإنّما انفردت به الترجمات السبعينية والسريانية والقبطية والإثيوبية، حتى إذا جاء القرن العشرون، أكّدت اكتشافاتُ قمران أصالتَه وعِراقتَه. تقرؤه الكنيسة القبطية حصرًا في ليلة «أبِي غُلَمسِّيس» — أي سبت النور، الليلة الفاصلة بين جمعة الصليب وأحد القيامة — بوصفه نبوةً صامته عن داود الصغير الذي غلب العملاق، ورمزًا باهرًا للمسيح الذي غلب الموت بقيامته. وفي هذه المقالة نتأمل في نصّ المزمور، وفي تاريخه النصّي، وفي رمزيته المسيحانية، وفي موضعِه من الطقس القبطي.

المزمور 151: داود الصغير ونبوّة قيامة المسيح
المزمور 151 مزمورٌ قصيرٌ تقرؤه الكنيسة القبطية في ليلة سبت النور بوصفه نبوةً عن غلبة المسيح للموت.

أوّلًا: اكتشاف المزمور 151 في مخطوطات قمران

كان المزمور 151 معروفًا قبل القرن العشرين من الترجمات القديمة وحدها، لا من النصّ العبري الأصلي. فقد وُجد في معظم مخطوطات الترجمة السبعينية (LXX) — وإن لم يَرِد في النصّ الماسوري — كما وُجد في الترجمتين السريانية (البَشِّيطتة) واللاتينية (الفولغاتا)، وفي الترجمتين القبطية والإثيوبية أيضًا. وقد ظنّ بعضُ الباحثين أنّه تأليفٌ متأخّرٌ سكندريٌّ المحتد، حتى جاء عامُ 1956م حين اكتشف الباحث جيمس ساندرز في المغارة الحادية عشرة بقمران (11Q) لفافةً ضخمةً من المزامير عُرفت بـ«11QPss-a» أو «اللفافة الكبرى للمزامير»، ضمّت بين نصوصها نصّين عبريّين متّصلين بالمزمور 151.

وقد أظهرت دراسةُ النصّ العبري المكتشف أنّ المزمور 151 في السبعينية ليس تأليفًا سكندريًّا، بل ترجمةٌ أمينةٌ لأصلٍ عبريٍّ عريق، كان متداولًا في الجماعة اليهودية في القرن الأول قبل الميلاد. ومن هنا تَعزّزت حُجّة الكنائس الأرثوذكسية — القبطية والسريانية والإثيوبية واليونانية — في استبقاء هذا المزمور ضمن أسفار الكتاب المقدّس المقبولة لديها، وهو ما تَركتُه الكنائسُ البروتستانتية الحديثة بقسمها «الأبوكريفا» أو «الكتب القانونية الثانية».

ملاحظةٌ نقدّيّة: لفافة 11QPss-a التي عُثر عليها بقمران تُؤكّد أنّ المزمور 151 كان موضعَ تقديسٍ وتلاوةٍ قبل ميلاد المسيح بقرون، وأنّ الكنيسة القبطية حين تحفظه في طقسها إنّما تستمرّ في تقليدٍ رسوليٍّ عريق.

ثانيًا: نصّ المزمور ومضمونه

يُسمّى المزمور 151 في التراث القبطي «المسبَّح القصير» أو «مزمور داود الصغير»، ويبدأ بقول داود: «أنا الصغيرُ في إخوتي، والحدثُ في بيت أبي، كنتُ أرعى خرافَ أبي». ثمّ يُورد قصّته مع إخوته الكبار، وقصّة اختياره من قِبَل الربِّ رغم صِغَر سنّه، وانتصاره على جليات العملاق. ونصّه في الترجمة العربية المتداولة في الكنيسة القبطية يأتي نحوًا ما يلي:

«أنا الصغيرُ في إخوتي، والحدثُ في بيت أبي، كنتُ أرعى خرافَ أبي. وإخوتي حِسَانٌ وكِبار، والربُّ لم يَسُرّ بهم. فخرجتُ للقاء الفلسطينيّ، فلعنني بأوثانه. أمّا أنا فلم أكن بمسلَّحٍ بسيفٍ، ولا بعصا الحرب، بلخرجتُ باسمَ الربِّ القدير. فاستَلَلتُ سيفَهُ الذي كان بيده، ونزعتُ رأسَهُ عنه، ونزعتُ العارَ عن بني إسرائيل».

تتّضح في هذا النصّ القصير لمحاتٌ ثلاثٌ لاهوتيةٌ عميقة: اختيارُ الربِّ للصغير على الكبير، ودخولُ المعركة باسم الربِّ لا بالسلاح المادّي، وانتهاءُ القصّة بنزعِ سيفِ العدوّ عنه وقطعِ رأسه. وهذه اللمحات الثلاث هي بعينها ما يلتقطه الآباء في قراءتهم المسيحانية للمزمور.

ثالثًا: داود الصغير رمزٌ للمسيح المتواضع

يقول داود في المزمور: «إخوتي حِسَانٌ وكِبار، والربُّ لم يَسُرّ بهم». وفي سفر صموئيل الأول، حين جاء النبيّ صموئيل ليمسح أحدَ أبناء يسّى ملكًا، تَوَهَّمَ أنّ الربَّ يختار بحسب المنظر الخارجي، فأصعدهم واحدًا واحدًا، لكنّ الربَّ قال له: «لا تنظر إلى منظره وطول قامته... لأنّ الربَّ لا يرى كما يرى الإنسان، لأنّ الإنسان ينظر إلى العينين، والربُّ ينظر إلى القلب» (1 صم 16: 7). ولمّا دخل داود — الأصغر، الذي كان في الحقل يرعى الغنم — صبَّ صموئيل القرنَ فامتلأ داود من روح الربِّ.

هذا المشهد يُكرَّر في تجسّد المسيح: فقد وُلد من بيت لحم، من نسل داود، لا في قصرٍ بل في مذودٍ، ولم يَختره الناسُ بحسب المنظر، بل اختاره الآبُ من قبل تأسيس العالم. وفي عماده في نهر الأردنّ حلّ عليه الروحُ القدس ظاهرًا بهيئة حمامة، كما حلّ على داود برمسح صموئيل النبيّ. وفي تواضعه ووداعته كان المسيح هو «داودُ الحقّ» الذي رعى خرافَه الذاهبةَ في الجبال، وحمى قطيعه من ذئاب الجحيم.

«تعلّموا منّي لأنّي وديعٌ ومتواضعُ القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم» (مت 11: 29)

رابعًا: جليات رمزُ الموت، والمسيح غالبه

يَبرز جلياتُ الجتّي في القصّة بوصفه رمزًا للشيطان والموت معًا. فهو العملاق المدرَّع من رأسه إلى قدميه، الذي كان يُرعب جيش إسرائيل أربعين صباحًا، يستهزئ بالله الحيّ ويُجدّف على شعبه. وفي تقليد الكنيسة، إنّما يجسّد جليات «الموتَ» الذي كان يُرعب البشرية منذ آدم، والشيطانَ الذي له «سلطانَ الموت» (عب 2: 14).

وأمّا داود فلم يخرج إليه بسيفٍ ولا درعٍ، بل بحجرٍ أملس من الوادي وخمسةُ أرغفةٍ من خبز الأسرة. والكنيسة ترى في «الحجر» رمزًا للمسيح «الحجرِ الذي رفضه البنّاؤون فصار رأسَ الزاوية» (مز 118: 22)، وفي «الأرغفة الخمسة» رمزًا للخبز الذي نزل من السماء. وخرج داود «باسم ربّ الجنود»، فلم تقاوم قوّةُ العملاق اسمَ الربِّ، بل سقط على الأرض.

سيف جليات: غلبة الموت بالموت

من أعمق العبارات في المزمور 151 قولُ داود: «فاستَلَلتُ سيفَهُ الذي كان بيده، ونزعتُ رأسَهُ عنه». ولم يَقُل داود إنّه قتله بحجره، بل إنّه استلَّ سيفَ عدوّه وقتله به. وفي هذا رمزٌ بالغُ الدلالة: فالمسيح لم يَغلُب الموتَ بقوّةٍ من خارج الموت، بل بموته هو. دخلَ الموتَ طوعًا، ولم يستطع الموتُ أن يُمسكه، فانقلب سلاحُ العدوّ عليه. وكما يقول الرسول: «لكي يُبطلَ ذاكَ الذي له سلطانُ الموت، أي إبليس» (عب 2: 14).

«المسيح قَبِل الموتَ ليميتَ الموتَ، ونزلَ إلى الهاوية ليُفرِّغها. سيفُ جلياتَ قُلِبَ على رأسِ جليات، فبالموتِ وَطِئَ الموتَ» (القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم).
تأمّلٌ لاهوتي: إنّ عبارة «نزعتُ رأسَهُ عنه» تَعني أنّ الموتَ — الذي كان له «دِبْسٌ» أي لسانٌ وسلطانٌ يُرعب به البشر — صار مقطوعَ الرأس، أي بلا سلطان. ومن ثَمّ صار الموت الجسديّ مجرّدَ انتقالٍ، لا فناءً أبديًّا، إذ قال الرسول: «أين شوكتكَ يا موت؟ أين غلبتُكَ يا هاوية؟» (1 كو 15: 55).

خامسًا: المزمور 151 في طقس الكنيسة القبطية

تتلوه الكنيسة القبطية حصرًا في ليلة «أبِي غُلَمسِّيس»، وهي ليلةُ سبت النور التي تَفصل بين جمعة الصليب وأحد القيامة. ولفظة «غُلَمسِّيس» قبطيةُ الأصل، تَعني «الجلوس في الكنيسة» أو «السهَر الطويل»، إذ كان المؤمنون يَسهرون هذه الليلة في الصلاة والتسبيح والقراءات حتى الفجر. وفيها تَقرأ الكنيسة قراءاتٍ كثيرة من العهد القديم، أبرزها قصّة الخليقة، وقصّة يونان في جوف الحوت، وقصّة الفتية في أتون النار، وقصّة دانيال في جبّ الأسود — كلُّها رموزٌ للقيامة.

والمزمور 151 يُتلى في هذه الليلة بوصفه خلاصةً لاهوتيةً للحدث الذي يَنتظره المؤمنون: المسيحُ داودُ الحقّ، الذي دخل معركة الموت وحده، فاستلَّ سيفَ العدوّ، وقطعَ رأسَ الموتِ، ونهضَ في فجر الأحد غالبًا. وكأنّ الكنيسة — وقد سَهِرتْ طولَ الليل — تستقبل فجرَ القيامة وهي تَسمع هذا المزمور، فتُدرك أنّها لا تَنتظر حدثًا تاريخيًّا ماضيًا وحسب، بل تَدخل بنفسها في سرّ القيامة الحاضر.

سادسًا: رسالةُ المزمور لكلِّ ضعيفٍ ومُحطَّم

في الجملة قبل الأخيرة من المزمور يقول داود: «إخوتي حِسَانٌ وكِبار، والربُّ لم يَسُرّ بهم». وفي هذه الكلمات رسالةُ رجاءٍ لكلِّ من شعر بأنّه صغيرٌ ومهمَّشٌ ومُحتَقَر. فالله لا ينظر إلى المنظر الخارجي، ولا إلى طول القامة، ولا إلى مكانة الإنسان في عينَي الناس، بل إلى قلبه. والقلبُ الذي يحبُّ الله بإخلاصٍ، ويَرعى وديعَته بأمانة، ويَخرج لمواجهة الخطيئة باسم الربِّ — هو القلبُ الذي يَستخدمه الله لأعظم الأعمال.

إنّ داود الصغير لم يكن مُختارًا لأنّه كبيرٌ، بل لأنّه كان «راعيًا حقيقيًّا» يحبُّ خرافه ويَحميها من الأسد والدبّ. وكذلك المسيح، «الراعي الصالح» الذي يَبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11)، لم يَستعلن في قصور الكبراء، بل في مذود الفقراء، لِيَجمع «أولادَه» تحت جناحَيه كما تَجمع الدجاجةُ فراخَها (مت 23: 37).

خاتمةٌ وتأمّل

المزمور 151، الذي حُفظ في قمران والسبعينية والقبطية والإثيوبية، هو مزمورٌ مسيحانيٌّ صغيرٌ في حجمه، عظيمٌ في معناه. تَقرأه الكنيسة في سبت النور لأنّه يَلخّص سرّ الفصح: الصغيرَ يَغلب الكبير، والمتواضعَ يَغلب المتكبّر، والمسيحَ يَغلب الموتَ بموته. وفي كلِّ ليلة قيامةٍ نتلوه، نَتذكّر أنّ سيفَ جلياتَ — أي سلطانَ الموت — قد قُلِبَ على رأسِ صاحبه، وأنّ المسيح قائمٌ، فلا خوفَ علينا من الموت بعد اليوم. ولِربّنا المجدُ إلى الأبد. آمين.

Post a Comment

أحدث أقدم