

قصة تدشين كنيسة السيدة العذراء والشهيد مارجرجس بالإسكندرية: لحظات إيمانٍ وتواضعٍ
مقدمة
في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تُسجَّل لحظاتٌ لا تُنسى تُظهر عمق الإيمان وروح التواضع التي يتحلى بها قُدامى الروح. من بين هذه اللحظات تبرز قصة تدشين كنيسة السيدة العذراء والشهيد مارجرجس في حي غبريال بالإسكندرية، التي شهدت حضورًا مميزًا لبابا الكنيسة القبطية، القديس شنودة الثالث. تُظهر هذه القصة كيف يمكن للقداسة أن تتجلى في أبسط الأفعال، وكيف يَتَجَلّى تواضع القائد الروحي في سلوكه اليومي، لتصبح مثالًا يُحتذى به في حياة كل مؤمن.
1. لحظات تاريخية تحمل بركات السماء
عند افتتاح الكنيسة، كان الجوّ مفعمًا بالروحانية؛ تَجمَّعت الصلوات، وتلاقت الأماني، وتدفقت البركات من السماء إلى الأرض. كان البابا شنودة الثالث يتولى مهمة تدشين المذبح والكنيسة، وقد أُعدَّت الساحة بعناية فائقة: أُزيلت العربات من السوق المجاور، وصُفِّيَ الطريق لتسهيل وصول المصلين والضيوف.
في هذا السياق، انتشرت أخبار قدوم البابا سراً بين أهل الحي، فكانوا يَتَسابقون إلى الكنيسة قبل الفجر ليلقوا بركة حضور القديس. وقد جاء أحدهم في الرابعة فجرًا، ليجد الكنيسة مكتظةً بالمؤمنين الذين انتظروا لحظة الافتتاح بقلوبٍ خاشعة.
2. التواضع الحقيقي والمحبة الإلهية
عند بدء مراسم تدشين الكنيسة، أظهر البابا شنودة الثالث تواضعًا استثنائيًا: بدلاً من الجلوس على الكرسي المرسوم للقداسة، نزل إلى الأرض وجلس على الأرض مباشرةً، كما يُرى في الصورة التي انتشرت لاحقًا.
هذا الفعل لم يكن مجرد تصرف عابر، بل كان تجسيدًا للمعنى الروحي للتواضع الذي يُذكرنا به الإنجيل:
وبالإضافة إلى ذلك، يذكرنا فيل 2:8 بأن المسيح «أَسْلَمَ نَفْسَهُ»، وهو ما يُعَدُّ نموذجًا للقديسين في سلوكهم اليومي.
من خلال جلوسه على الأرض، أراد البابا أن يُظهر أن الخدمة الروحية لا تُقاس بالمكانة أو الكراسي، بل بالقلوب المتواضعة التي تسعى إلى الاقتراب من الله.
3. التأثير الروحي العميق
انطلقت صلوات تدشين الكنيسة بصوتٍ موحد، وشعر الحاضرون بحضور الروح القدس يملأ القاعة. كان للبابا تأثيرٌ عميق على القلوب؛ فقد استشعر الجميع أن البركة التي نزلت على الكنيسة ليست مجرد طقوس، بل هي تجسيدٌ لحضور الله بين عباده.
تُظهر هذه اللحظة أن التواضع لا يُقَلِّل من عظمة القائد، بل يرفع من قدره في عيني الله والناس، فالقلب المتواضع هو ما يجذب النعمة الإلهية.
4. التواصل الروحي والدعاء المستمر
بعد انتهاء المذبح وتدشين الكنيسة، استمر الحاضرون في الدعاء والابتهال، سائلين الله أن يبارك هذه البنية الجديدة، وأن تكون منارةً للخير والبركة في حي غبريال.
في هذا السياق، استجوب الأنبا إرميا والأنبا بطرس والأنبا يؤانس (سكرتيري قداسه البابا) ما سبب جلوس البابا على الأرض طوال المراسم. وقد أُجبتهم إجابةٌ تُظهر عمق الروحانية التي كان يعيشها البابا في تلك اللحظة.
5. سؤال الأنبا يؤانس وإجابة البابا: دروسٌ في التقدير والاحترام
سأل الأنبا يؤانس بابا شنودة عن السبب وراء جلوسه على الأرض، فأجاب البابا قائلاً:
بهذا الرد، عبّر البابا عن احترامه العميق للقديس مارمرقس، مؤكدًا أن التواضع لا يعني إنكار القداسة، بل هو إظهارٍ لتقديرٍ عظيمٍ للقديسين الذين سبقوه في المشي على درب المسيح.
كان هذا الفعل بمثابة تذكيرٍ للجميع بأن القداسة لا تُقاس بالمكانة الاجتماعية أو بالكرسي، بل بالقدرة على أن يكون الإنسان خادمًا للآخرين كما كان المسيح.
6. ختام: دروسٌ مستفادة من لحظةٍ واحدة
إن قصة تدشين كنيسة السيدة العذراء والشهيد مارجرجس لا تقتصر على حدثٍ تاريخيٍ واحدٍ، بل هي مصدر إلهامٍ لكل من يسعى إلى الاقتراب من الله بقلوبٍ خاشعة.
- التواضع هو السلاح الروحي الذي يفتح أبواب النعمة.
- الاحترام للقديسين والآباء الروحيين يُظهر عمق الإيمان.
- الانخراط في الصلاة والدعاء المستمر يُعزّز الروابط بين المؤمنين وبين الله.
فلنستفد من هذه القصة، ولنُعيد إحياء روح التواضع في حياتنا اليومية، سائلين الله أن يباركنا ويمنحنا القدرة على السير على خطى القديسين، كما فعل البابا شنودة الثالث في ذلك اليوم المبارك.
نسأل الرب أن يظلّ هذا الحدث حيًّا في ذاكرة الكنيسة، وأن تكون كنيسة السيدة العذراء والشهيد مارجرجس منارةً للسلام والمحبة في كل زمان ومكان.
إرسال تعليق