قصة إيمان وشفاء: زيارة البابا كيرلس لعائلة عبد الناصر

story-of-faith-and-healing-pope-kirillos-visit-to-abdul-nasser-family

قصة إيمان وشفاء: زيارة البابا كيرلس لعائلة عبد الناصر

تُعَدُّ قصة الإيمان والشفاء من بين القصص التي تُلهم القلوب وتُظهر قدرة النعمة الإلهية على التدخل في أصعب الظروف. ومن بين هذه الحكايات الواقعية تبرز زيارة البابا كيرلس السادس، بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1919‑1959)، إلى عائلة الرئيس عبد الناصر، حين كان مرض ابنتهم منى يَسْتَحِقُّ كلّ الدعاء والرجاء.

كانت منى، الطفلة الوحيدة لعبد الناصر، تُعاني من نوبات صرع شديدة ومؤلمة، وقد جَرَّبت الأسرة جميع أساليب العلاج التقليدي المتوفرة في ذلك الوقت دون أن تُلحِق تحسناً ملحوظاً. شعر والدها، الرئيس جمال عبد الناصر، باليأس من أن يجد حلاً طبيّاً يُخفّف من معاناة ابنته، فاستشار عددًا من المقربين الذين نصحوهم باللجوء إلى شيخ النصارى، أي إلى البابا كيرلس، الذي عُرِف بسمعته الواسعة في رعاية المرضى والمرضى الروحيين.

على الرغم من أن البعض كان يتردد في اتخاذ هذه الخطوة، معتبرين أن اللجوء إلى زعيم ديني آخر قد يُثير جدلاً سياسيًا أو دينيًا، إلا أن الرئيس عبد الناصر قرّر استدعاء البابا كيرلس لطلب صلوة من أجل ابنته. وعند تلقي الطلب، عبّر البابا في البداية عن تحفظه، مُشيرًا إلى أن التدخل المباشر في شؤون الدولة ليس من صلاحيّاته، وأن دوره يقتصر على الرعاية الروحية لا على التدخل السياسي.

لكن الحوار الهادئ الذي دار بين الرئيس والبابا، والذي كان مفعمًا بالاحترام المتبادل والرغبة الصادقة في مصلحة الطفلة، مهد لفتح باب الفهم المشترك. فقد أدرك البابا أن صلوته، وإن كانت لا تُعَدُّ تدخلاً سياسيًا، إلا أنها تمثل طلبًا للرحمة الإلهية من أجل شفاء المريض، وهو ما يندرج ضمن مهام رعايته الروحية.

وبعد هذا التفاهم، قرّر البابا كيرلس زيارة منزل الرئيس عبد الناصر، دون أي تأنيب أو شروط مسبقة. وعند وصوله إلى البيت، أظهر البابا معرفة عميقة بتفاصيل المكان، فدخل إلى غرفة منى مباشرةً، وأخذ يضع يده على رأسها، ويُصَلِّي لها بصدق وإخلاص، مستغلاً صلوات العذراء مريم والقديسين، ومُذَكِّرًا الحاضرين بآية الكتاب المقدس التي تقول:

«أَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مَرِيضًا فَلْيَدْعُ أَسْقَامَهُ بِالأَشْرِفِ، وَيَسْتَسْكِنِ الرَّبَّ، وَيُصَلِّ» (يعقوب 5: 14‑15، فاندايك).

وبعد أيام قليلة، لاحظت العائلة تحسّنًا ملحوظًا في حالة منى؛ إذ انخفضت وتيرة النوبات الصرعية، وتبدّدت الأعراض المؤلمة تدريجيًا، ما أثار فرحًا كبيرًا في قلوب الجميع. لم يقتصر دور البابا كيرلس على الدعاء فحسب، بل قدم أيضًا نصيحة عملية تُظهر رؤيته المستقبلية للمنزل القومي. فقد شجّع العائلة على شراء قطعة أرض تُؤَسِّسُ فيها مركزًا دينيًا يُدعى «دير مارمينا»، وجمع التبرعات البسيطة التي تحوّلت إلى مبلغ كافٍ لشراء الأرض، ما أسهم في توسيع نشاطات الكنيسة القبطية في تلك المنطقة.

بهذه الزيارة المباركة، استطاعت عائلة عبد الناصر أن تخرج من تجربة المرض أقوى، إذ جمعت بين الإيمان الصادق، والصبر المتواصل، والتفاؤل المستنير. وتظل قصتهم شهادة حية على أن الدعاء والاعتماد على رحمة الله يمكن أن يأتيا من مصادر غير متوقّعة، وأن الإرادة الإلهية لا تعرف حدودًا أمام من يضع ثقته في يديها.

Post a Comment

أحدث أقدم