
مقدمة في الثيؤطوكيات القبطية
إعداد: الإكليريكي / بيشوي فخري
أولًا: المفهوم والدلالة التاريخية واللاهوتية للقب "ثيؤطوكوس"
تُشتق كلمة "ثيؤطوكية" من اللفظ اليوناني الكنسي "ثيؤطوكوس" (Θεοτόκος)، والذي يعني تفصيليًا: "والدة الإله". وقد أُطلقت هذه التسمية على هذا النوع من المدائح والقطع التسبيحية لأن مضمونها اللاهوتي والطقسي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشخص القديسة العذراء مريم بصفتها والدة الإله، ويبلغ عدد الثيؤطوكيات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية سبع ثيؤطوكيات موزعة على أيام الأسبوع.
ورغم أن هذا اللقب برز بقوة حاسمة في الأوساط اللاهوتية إبان انعقاد مجمع أفسس المسكوني عام 431م في مواجهة البدعة النسطورية — حيث يُلاحظ وروده نحو 177 مرة في وثائق المجمع وسجلاته سواء بصورة صريحة أو ضمنية — إلا أنه يُعدّ مصطلحًا أصيلًا سابقًا لهذا التاريخ بقرون طويلة. وتؤكد الاكتشافات الأثرية والمخطوطات القبطية قدم هذا الاستخدام؛ إذ إن أقدم مخطوطة تاريخية وصلتنا وتضم لفظ "ثيؤطوكوس" هي مخطوطة مصرية قديمة تعود إلى منتصف القرن الثالث الميلادي (نحو عام 250م)، وهي تحوي صلاة ليتورجية مدونة بنصها:
كما أُدرج هذا اللقب الكنسي العظيم في العديد من الليتورجيات القديمة التي كانت مُستخدمة في الكنيسة السريانية القديمة، والتي يرجع تاريخ بعضها إلى القرن الأول الميلادي، وفي مقدمتها قداس القديس يعقوب الرسول أخو الرب المدوّن في حدود سنة 70م.
وقد استُخدم اللقب بوضوح لدى جمع غفير من آباء الكنيسة الأوائل قبل انعقاد مجمع أفسس المسكوني، مما يبرهن يقينًا على شيوعه واستقراره في الفكر والعبادة داخل الكنيسة الجامعة منذ القرون الأولى. ومن أبرز هؤلاء الآباء العلامة أوريجانوس (210 – 254م)؛ حيث ذكر المؤرخ الكنسي سقراط (379 – 439م) في كتابه تاريخ الكنيسة (سقراط 7: 32)، أن أوريجانوس قدّم في المجلد الأول من تعليقاته وشروحه على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية شرحًا وافيًا ومُفصّلًا لمصطلح "ثيؤطوكوس". كما استخدم العلامة أوريجانوس هذا اللقب في مجادلاته اللاهوتية ضد الحركة الدوسيتية (الظاهرية) والغنوصية، ورد ذكره ما لا يقل عن أربع مرات في تفاسيره وتعليقاته على سفر المزامير، وإنجيل لوقا، وسفر التثنية. بل إن بعض المندرسين يرجحون أن ظهور مصطلح "والدة الإله" صيغ واستقر في الإسكندرية في العشر سنوات الأخيرة من القرن الأول الميلادي.
وفي هذا السياق اللاهوتي والكتابي، نذكر المرجع الإنجيلي الأبرز الذي تجلى فيه هذا المعنى عند زيارة العذراء لأليصابات، حين هتفت الأخيرة بإلهام من الروح القدس قائلة: «أُمُّ رَبِّي» (لو 1: 43)، إلى جانب العديد من الشواهد الإنجيلية والنبوية التي تحمل المعنى اللاهوتي ذاته وتؤكده (لو 1: 28-35؛ إش 7: 7-14؛ إش 9: 6).
أما عدم ورود اللفظ بالصيغة حرفية ذاتها داخل النص الكتابي، فإنه لم يشكل أزمة إيمانية أو لاهوتية قط؛ إذ يلزمنا أن نفهم أن الكتاب المقدس ليس معجمًا للمصطلحات العقائدية الجافة، بل هو القانون والمعيار الإلهي الثابت الذي يضبط ويقيس كل المصطلحات التي تشرح خطة خلاصنا المدوّنة فيه. إن الكتاب المقدس هو التربة الروحية الحية التي تضم جذور الإيمان، والذي يُعَبَّر عنه بمفردات لاهوتية تحاول التقرب من صلب الحقيقة الإلهية في سياق روحي وسليم. من هنا، فإن المصطلح اللاهوتي هو تعبير صادق عن حقيقة كتابية قائمة وموجودة بالفعل، لئلا يحصر الإيمان ذاته في الحروف والكلمات المجردة بعيدًا عن الحق الإلهي الفادي الذي هو ربنا يسوع المسيح نفسه.
ثانياً: الشكل والتركيب الفني للثيؤطوكيات
من حيث الشكل، الثيؤطوكية هي قطع شعرية قبطية موزونة بغير قافية، صِيغت لتمجيد والدة الإله القديسة مريم. وهي تشرح عمق سر التجسد الإلهي الذي تم بواسطتها وفي بطنها الطاهر، وذلك من خلال عبارات لاهوتية تتسم بالبساطة والعمق في آنٍ واحد. ولذا، فقد اختزلت هذه الثيؤطوكيات وجمعت كل عقيدة الكنيسة الجامعة المتعلقة بسر التجسد الإلهي وبأمومة العذراء القديسة مريم.
وتحتفظ الكنيسة بثيؤطوكية خاصة لكل يوم من أيام الأسبوع، وتنقسم الثيؤطوكيات طقسيًا ونغميًا إلى نوعين رئيسيين: الواطس، والآدام.
- نغمة الواطس: هي نغمة ليتورجية أطول وأكثر امتدادًا من النغمة الآدام، ويُسبَّح بها في أيام (الأربعاء - الخميس - الجمعة - السبت). والكلمة مشتقة من أصل قبطي ينطق: "فاطوس"، "فاطس"، أو "باطوس"، ومعناها: "العُلّيقة". وسميت هذه النغمة بهذا الاسم لأنها أُطلقت بدايةً على تذاكية يوم الخميس التي يستهل مطلعها بعبارة: (العليقة التي رآها موسى النبي في البرية...).
- نغمة الآدام: هي طريقة أو نغمة خاصة تمتاز بكونها قصيرة وسريعة، ويُقال بها التسبيح في أيام (الأحد – الاثنين – الثلاثاء). وتعود تسميتها إلى نسبة اسم "آدم"؛ إذ وُضعت أصلاً على أول تذاكية ليوم الاثنين التي تبدأ بمطلعها الشهير: (آدم فيما هو حزين سر الرب أن يرده إلى رئاسته).
ويمثل الشكل العام للثيؤطوكية هيكل الشعر القبطي الموزون المخصص للتلحين والإنشاد الطقسي؛ ولهذا فإن الاختلاف في عدد الكلمات أو المقاطع اللفظية يتم ضبطه وموازنته من خلال اللحن والإنشاد الكنسي. والشعر القبطي لا يعتمد على بحور شعرية تقليدية بالمعنى الخليلِي، بل يعتمد على إيقاع صوتي وموسيقي ثابت.
كما أن الثيؤطوكيات لا تتبع نظام ترتيب الحروف الهجائية كما هو الحال في الأبصاليات (الأبصالية أي التسبيحة المرتبة أبجديًا). وتنقسم الثيؤطوكية هيكليًا إلى قطع، وتتكون كل قطعة من عدة أرباع، ويحتوي كل ربع على استيخونات (أي شطرات شعرية)، ونادرًا ما تتألف القطعة من خمسة استيخونات.
ونظرًا لغياب الوزن العروضي أو القافية المحددة في الشعر القبطي، فإن الثيؤطوكيات تفتقر إلى القافية والوزن بمفهومهما العربي التقليدي، باستثناء الأرباع الممتدة من (2 إلى 10) في القطعة الثامنة من ثيؤطوكية يوم الأحد؛ إذ تمتلك وزنًا وقافية محددين، حيث ينتهي الاستيخون الأول والثاني بنهاية قاطية واحدة، بينما ينتهي الاستيخون الثالث والرابع بنهاية واحدة مع وجود مرد ثابت ومحدد في بداية كل ربع وهو: "شيري ني ماريا.." (السلام لك يا مريم..).
ثالثاً: التقسيم البنائي للثيؤطوكيات على مدار الأسبوع
تتوزع الأقسام والمقاطع الشعرية واللبتش والقرارات لكل ثيؤطوكية بحسب النظام الأسبوعي التالي:
- ثيؤطوكية الاثنين: تنقسم إلى عشرة أقسام، وتتألف في مجموعها من 50 مقطعًا شعريًا، بما يتضمن القرار واللبش.
- ثيؤطوكية الثلاثاء: تتكون من ثمانية أقسام، وتضم في مجموعها 49 مقطعًا شعريًا، بما في ذلك اللبش والقرار.
- ثيؤطوكية الأربعاء: تتكون من ثمانية أقسام، وتتألف في مجموعها من 45 مقطعًا شعريًا، بما يشمل اللبش والقرار.
- ثيؤطوكية الخميس: تتكون من عشرة أقسام، وتتألف في مجموعها من 67 مقطعًا شعريًا، بما يتضمن اللبش والقرار.
- ثيؤطوكية الجمعة: تُعدّ أصغر الثيؤطوكيات حجمًا، وتتكون من ثمانية أقسام بمجموع 33 مقطعًا شعريًا، بما في ذلك اللبش والقرار.
- ثيؤطوكية السبت: تتكون من إحدى عشر قسمًا، وتتألف في مجموعها من 45 مقطعًا شعريًا، بما يشمل اللبش والقرار.
- ثيؤطوكية الأحد: هي أطول الثيؤطوكيات وأغزرها لاهوتياً، وتتكون من خمسة عشر قسمًا بمجموع 148 مقطعًا شعريًا. وتُعتبر الأقسام الستة الأولى منها هي الأقدم تاريخيًا، وكل قسم فيها يتكون من جزئين: الجزء الأول يسرد الرمز والنموذج الكتابي في العهد القديم، بينما يتكفل الجزء الثاني بشرح وتحقيق هذا الرمز لاهوتيًا في العهد الجديد.
المؤلف وزمن التأليف:
قواعد عدم تحديد مؤلف الثيؤطوكيات
إذا عُرف مؤلف الثيؤطوكيات لعرفنا زمن تأليفها، إلا أن الدراسات الكنسية لم تصل إلى إجماع حول تحديد هوية هذا المؤلف. ورغم وجود تشابه كبير بين مقاطع عديدة من الثيؤطوكيات وعظات لبعض الآباء البارزين، لا سيما البابا كيرلس الكالبداني والبطريرك القديس ساويرس والقديس بروكلوس بطريرك القسطنطينية (438 - 446م)، فإن هذا التشابه لا يثبت بالضرورة نسبة هذه النصوص إليهم. فالآباء المذكورون كانوا من الدعاة الأوائل للطبيعة الواحدة للسيد المسيح، وطبقوا الرموز الكنسية على السيدة العذراء، مما يجد صدى في تعابير وتشبيهات مشابهة في الثيؤطوكيات. هذا يشير إلى احتمالية أن أحدهم قد يكون قد أضاف أجزاء منها، أو أن المؤلف الأصلي درس عظات هؤلاء القديسين وتابع دفاعهم اللاهوتي ضد الهراطقة، ثم صاغ هذه العقيدة في نصوص منغمة تجمع بين العمق اللاهوتي والجمال البلاغي.
أما نسبة الثيؤطوكيات للبابا أثناسيوس فقد أشار إليها العلامة "أبو البركات بن كير" (+1324م) في كتابه "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة"، لكنه أوضح أن هذه النسبة غير مُسندة. فسر التجسد الذي تركز عليه الثيؤطوكيات لم يكن مثار جدل في عصر البابا أثناسيوس مثلما كانت قضية لاهوت السيد المسيح. ورغم وجود تشابه بين تعاليم البابا أثناسيوس مع الأجزاء الأخيرة من ثيؤطوكية الأحد، فإن اختلاف الأسلوب بينها يجعل من الصعب نسبتها لمؤلف واحد. يمكن اعتبار البابا أثناسيوس نواة لهذه الثيؤطوكية، أو أن واضعها كان متشبعًا بتعاليم هذا البطريرك الرسولي.
أما مار إفرآم السرياني، فهو شاعر عمادي ومفسر بارز لرموز العهد القديم، وقد لوحظ وجود تشابه بين عظاته وأشعاره مع الثيؤطوكيات. إلا أن وجود هذا التشابه لا يعني بالضرورة أنه مؤلفها، فكلمات الثيؤطوكيات تتشابه مع تعاليم أبائية كثيرة، مما يعكس وحدة الإيمان الكنسي أكثر من كونه دليلًا على المصدر الواحد. كما توجد تشابهات بين ألقاب السيدة العذراء في الثيؤطوكيات وميامر الأنبا بولس البوشي أسقف مصر من القرن الثالث عشر.
كما نجد في الأبصلمودية (مزمور الكنيسة) في بعض طباعتها اسم "الفاخوري" في أربعة مواضع محددة: – في المديح العربي الواطس على ثيؤطوكية السبت. – ضمن عنوان "مديح للفاخوري" وهو المديح العربي الثاني الذي ورد في أبصلمودية القمص عطا الله المحرقي، وهو مديح على القطعة العاشرة من ثيؤطوكية الأحد، وبدايته "أبدي باسم الله القدوس". – في أبصالية آدام قبطي على القطعة السابعة من ثيؤطوكية الأحد، وبدايتها "يا الله الحقيقي"، فيذكر "قال الفاخوري وتكلم عن الملكة". – في طرح واطس على ثيؤطوكية يوم الجمعة، فيذكر عنه "لأنك أنت هي الصنارة العقلية التي تصيد المسيحين وتصعدهم للسموات كما قال الفاخوري".
وقد أشار إليه "ابن كبر" فيقول: "رجل فخاري ترهب في برية شيهيت، ربما يكون هو الذي رتب الألحان"، وقيل أيضًا أن شخصًا قرموصياً ترهب في برية شيهات ورتب ألحانها في القرن الخامس الميلادي (أي يعمل في الأواني الفخارية). وقيل أنه كان يحفظ أقوال الآباء عن ظهر قلب، فرتب مدائح منسوجة من تعاليم ومصطلحات الآباء. وهناك رواية أخرى تنسب إلى سمعان الفاخوري الجشري أنه نظم الثيؤطوكيات خلال أسبوع واحد، إثر ظهور السيدة العذراء له في رؤيا، لكن هذا الرأي يُستبعد لاسيما أن تركيبها وأوزانها تنسجم مع اللغة القبطية، مما يؤكد أنها من إنتاج قبطي أصيل لا سرياني.
كما تنسب أجزاء من ثيؤطوكية الخميس إلى القديس ثيؤدوسيوس أسقف أنقره (234م)، وجزء من ثيؤطوكية الجمعة له نص مشابه على قطع من الجدار الحائطي لدير إرميا بسقارة.
هكذا، يصعب أن يكون مؤلف الثيؤطوكيات شخص واحد، وعلى أبعد تقدير، يرجع زمن تأليفها إلى الفترة الممتدة من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الثاني عشر. وقد رُشح أسماء كثيرة لتكون مؤلفة، لكن أدلة هذه النسب ضعيفة وغير مقنعة.
تاريخ انتشار الثيؤطوكيات
الثيؤطوكيات بدأت بالصلاة بها في الأديرة، ثم انتقلت إلى الكنائس في جهة بحري، وتأخر ظهورها في الصعيد. أقدم مخطوط وصل إلينا يحتوي على مقتطفات من الثيؤطوكيات هو مخطوط الدفنار المكتشف في دير الملاك ميخائيل بالحامولي (892/893م)، والموجود حاليًا بمكتبة بيربونت مورجان بنيويورك. أما أقدم مخطوط يحتوي على السبع ثيؤطوكيات في شكلها النهائي، فيرجع للقرن الرابع عشر، ويوجد حاليًا في مكتبة المخطوطات الفاتيكان. كما توجد شذرات مكتشفة في دير أبو مقار ترجع للقرن الثاني عشر، وموجودة حاليًا في مكتبة هامبورغ بألمانيا.
تاريخ الأبصلمودية
أول إشارة وصلتنا عن زمن تأليف الأبصلمودية كعمل مستقل يستخدم في الكنيسة، كانت ما ذكره البابا ديونيسيوس البطريرك الرابع عشر (248 - 265م) حين ذكر نيبوس أسقف أرسينوي (الفيوم) قائلا: "أرحّب بأعماله وأحبه، بسبب أمانته وجهاده ودراسته العميقة والدؤوبة للأسفار المقدسة، وجهاده الكبير في عمل الأبصلمودية التي أصبح الكثيرون يستخدمونها بفرح". أما المرة الأولى التي طبُع فيها كتاب الأبصلمودية فكان بواسطة "روفائيل الطوخي" في روما سنة 1744م تحت اسم "كتاب الأبصاليات والهوسات"، وهو الكتاب الذي أعاده طبعه "أقلاديوس لبيب" في مصر للمرة الأولى عام 1897م تحت الاسم نفسه.
تاريخ طباعة الأبصلمودية الكيهكية
طُبِعَ الشكلُ الأوَّلُ لكتاب الأبصلمودية الكيهكية في روما لأول مرَّة سنة 1764م تحت عنوان: «الثيؤطوكيات كترتيب شهر كيهك» باللغتين القبطية والعربية. وقد قام بإعداد هذه الطبعة روفائيل الطوخي، الذي كان باحثًا قبطيًا ثم اعتنق الكاثوليكية ورُسِمَ أُسقفًا في روما باسم «أثناسيوس». وقد أدخل الطوخي في طبعته للأبصلمودية تعديلاتٍ على بعض العبارات لتتوافق مع عقيدته الجديدة؛ فعلى سبيل المثال، استبدل بالعبارة الأصلية: «واحد من اثنين لاهوت قدوس... وناسوت طاهر»، عبارةً أخرى صُيغت وفق المفاهيم الكاثوليكية وهي: «واحد حقًا يسوع ربنا من طبيعتين وفي طبيعتين».
وفي عام 1908م، أصدر القمص مينا البرموسي طبعة جديدة للأبصلمودية في الإسكندرية، وهي الطبعة التي قَامَ دير القديس أنبا مقار أو دير البرموس بإعادة نشرها لاحقًا؛ حيث أعاد دير البرموس نشرها بالتحديد في عام 2007م لتكون متاحَةً للمؤمنين.
ثم جاءت طبعة أقلاديوس لبيب عام 1918م للأبصلمودية، وتُعدُّ هذه الطبعة هي الأشهر والأكثر انتشارًا، وحظيت باهتمامٍ واسعٍ حتى إنها تُرجمت إلى لغاتٍ عديدة.
المضمون اللاهوتي والطقسي للثيؤطوكيات
تُعدُّ الثيؤطوكيات تسابيحَ لاهوتيةً عميقةً تُشَكِّلُ وعاءً إيمانيًا شرحيًا لعقيدة التجسد الإلهي؛ إذ تُبرز الرموز والإشارات الكتابية الواردة في العهد القديم لتوضيح حقيقة الميلاد البتولي. كما تُقدِّم الثيؤطوكية عرضًا لاهوتيًا بسيطًا وساميًا في آنٍ واحد لأعمال القديسة العذراء مريم، وصفاتها الفاضلة، وعلاقتها بالثالوث القدوس، والسمائيين، والمؤمنين، وكل الجنس البشري.
وتختصُّ كلُّ ثيؤطوكية من أيام الأسبوع بتسليط الضوء على جانبٍ معيَّن من تدبير الفداء العظيم وتتميم كافة النبوات؛ ومثالُ ذلك:
ثيؤطوكية الأحد: تأملات ورموز لاهوتية
تُعدُّ ثيؤطوكية يوم الأحد أطولَ الثيؤطوكيات في الإبصلمودية الكيهكية. يستعرض فيها المُؤلِّف أسماء أبرار العهد القديم مقترنةً بصفاتٍ قد تبدو للوهلة الأولى عفوية، لكنها تحمل في جوهرها واقعًا حماسيًا وروحانيًا عجيبًا يلمس القلوب المُسبِّحة. ويربط المُؤلِّف فيها ببراعةٍ لاهوتية بين كلمة الله المكتوبة في لوحي الشريعة بالعهد القديم، وبين السيد المسيح الذي هو «الكلمة» الحقيقي والمتجسد من العذراء مريم.
وفي هذا السياق، يُشير الرقم (عشرة) في اللغة اليونانية والقبطية إلى حرف (اليوطة - Ⲓⲱⲧⲁ)، وهو الحرف الأوَّل من اسم السيد المسيح (Ιησούς)؛ ولهذا السبب ورد في ثيؤطوكية الأحد عن الوصايا العشر: «سَبَقَت أن دلتنا على (اليوطة) اسم الخلاص الذي لربنا يسوع المسيح»، «هذا الذي تجسد منكِ بغير تغيير، وصار وسيطًا لعهد جديد». وهو رمزٌ لاهوتي عميقٌ يتطابق مع منهج التفسير الرمزي الروحي الذي نراه في كتابات العلامة أوريجانوس.
تتدرج قطعات ثيؤطوكية الأحد في شرح هذه الرموز كالآتي:
- القطعة الثانية: تُفسِّر تشبيه السيدة العذراء بـ «تابوت العهد». كان هذا التابوت في العهد القديم مصنوعًا من خشب السنط الذي لا يسوس، ومصفحًا بالذهب الخالص من الداخل والخارج. فالخشب الذي لا يسوس يرمز إلى طهارة السيدة العذراء ونقاوتها (كما يرمز إلى ناسوت المسيح الخالي من الخطية)، بينما يرمز الذهب إلى اللاهوت. ويُشير هذا الرمز إلى أنَّ العطايا السماوية ليست نابعة من طبيعتنا البشرية الخشبية (التي تقع تحت الفساد والسوس)، وإنما هي هبةٌ إلهيةٌ سامية كالذهب يغطي طبيعتنا الفاسدة ويجددها. وهذا هو المضمون الذي تجلّى في بشارة الملاك لها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ» (لو 1: 35).
- القطعة الثالثة: تُقدِّم تشبيهين لاهوتيين آخرين للسيدة العذراء، هما: «غطاء التابوت» (الكرسي الرحمة) و«الكاروبيم». كان التفسير الآبائي لتابوت العهد تفسيرًا مسيانيًا؛ حيث يُشير الخشب الذي لا يسوس إلى ناسوت المسيح المبرأ من الخطية، ويُشير الذهب إلى ألوهيته. وقد فسَّر القديس كيرلس الكبير غطاء التابوت بأنه يُمثِّل السيد المسيح الذي صار كفارةً وفداءً من أجل خلاصنا، بينما يُمثِّل الكاروبيم الملائكةَ الذين يخدمونه. وقد اتَّبع مُؤلِّف ثيؤطوكية الأحد هذا المنهج الآبائي نفسه، إلا أنه أدخل السيدة العذراء في السياق الشعري للتسبحة، فصوَّر الملائكة يسجدون للمولود الإلهي وهو في بطن العذراء وفقًا لقول الملاك: «وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ»، تمامًا كما كان الكروبان في العهد القديم يُظلِّلان غطاء التابوت.
- القطعة الرابعة: تُوضِّح أنَّ العذراء هي «قسط الذهب النقي» الذي حُفظ في وسطه «المَنّ»، الذي هو رمزٌ لخبز الحياة الحقيقي. وإذا كان القسط الذهبي قد نال كرامةً عظيمة في العهد القديم لمجرد حِفظه للمَنّ الرمزي، فكم بالأحرى السيدة العذراء التي نالت كرامةً لا يدانيها وصفٌ بإعطائها جسدًا للمسيح، إذ حملت في أحشائها المَنَّ الحقيقي الذي قال عنه الرب: «إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ» (يو 6: 51).
- القطعة الخامسة: تُصوِّر العذراء بـ «المنارة الذهب النقي» التي حملت لنا نور العالم. والمنارة صُنعت من ذهبٍ خالصٍ إشارةً إلى بقائها عذراء حتى بعد ولادتها لشمس البر. وكما أن المنارة ليست هي مصدر الضوء في ذاتها بل هي الحاملة له، هكذا العذراء هي الحاملة للنور، بينما السيد المسيح هو «النور الحقيقي».
- القطعة السادسة: تُشبِّه العذراء بـ «المجمرة الذهب النقي» الحاملة لجمر النار؛ فالذهب يرمز إلى طهارتها النقية، والمجمرة تحمل جمر اللاهوت. وكما أن هذه المجمرة لم تحترق بوجود الجمر المشتعل بالنار داخلها، هكذا بطن السيدة العذراء لم تحترق عندما حلَّ اللاهوت فيها وقدَّسها، وأخذ منها جسدًا.
البناء اللتيرجي والتحليل المخطوطاتي
أما بقية قطعات الثيؤطوكية (من القطعة السابعة إلى القطعة السادسة عشرة، وعددها 12 قطعة)، فلا يربط بينها منهجٌ منتظم يُقدِّم الرمز ثم يتبعه بالتفسير المباشر كما في القطعات الأولى، بل يُلاحظ فيها تكرار الرموز دون التقيد بتفسير كل رمزٍ على حدة.
وتتغير النغمة واللحن الكنسي بدءًا من القطعة السابعة بأسلوبٍ روحاني عميق: «شيري ني ماريا...» («السلام لكِ يا مريم الحمامة الحسنة...»)؛ وهي الحمامة التي حملت لنا بشرى الخلاص بعد طوفان حكم الموت. وتُعدُّ هذه التحية المريمية امتدادًا لصياغاتٍ آبائية قديمة وموجودة لدى آباء الكنيسة الأوائل منذ القرن الثاني الميلادي، كما نجد عند القديس إيرينيؤس.
وعند دراسة المخطوطات القديمة، نجد أنَّ هناك مخطوطةً تاريخية من سيناء ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي لا تحتوي على القطعات (8 - 16) من ثيؤطوكية الأحد، بل تقتصر على جزءٍ واحد فقط من أجزاء القطعات (1 - 7).
ويَبدو من واقع الدراسة النصية والطقسية أنَّ القطعات (8 - 16) هي بالفعل إضافاتٌ متأخرة على النص الأصلي؛ إذ يفصل بين القطعة السادسة والقطعة السابعة قراءةٌ نصية من إنجيل لوقا البشير، وهي تسبحة الشيخสِمعَان: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ...» (لو 2: 29)، وهي قراءةٌ لو Distributed طقسيًا توحي بانتهاء وختام التسبحة في نظامها القديم.
ملاحظة تمهيدية تُعَدُّ «الثيوطوكية» (أو «ثيوطوكية») من الترنيمات الخاصة بالساعة الثالثة من الصباح في الطقوس القبطية، وتُغنى في أيام الأحد والاثنين والثلاثاء وغيرها حسب المناسبات. يختلف نسقها بين المخطوطات، وقد أُضيفَ إلى بعضها أجزاء لاحقة لا تُعَدُّ جزءًا من النص الأصلي. ما يأتي يُعيد صياغة الفقرة الأصلية مع تحسين الصياغة والنحو، وتوسيع الشرح دون الإخلال بالمعنى اللاهوتي أو الطقسي.
الاختلاف في نسق الثيوطوكية من القطعة الثامنة
يظهر الاختلاف في النسق ابتداءً من القطعة الثامنة؛ فبعدها يختفي القرار وتتحوَّل النغمة إلى ألحانٍ أطول. وفقًا للطقس القبطي، لا تُقْرَأُ ثيوطوكية الأحد بصورة كاملة في جميع الصلوات، بل يُكتفى أحيانًا بالقطع من ١ إلى ٧ فقط. مثال على ذلك هو «تسبحة العشية» التي تُصَلَّى مساءَ الاثنين وفي مناسبات أخرى.
رأي الأب متى المسكين بشأن النصف الثاني من ثيوطوكية الأحد
أشار الأب متى المسكين في كتاباته إلى اعتقاده أن النصف الثاني من ثيوطوكية الأحد يُعَدُّ إضافةً متأخرةً على النص الأصلي. يَستندُ هذا الرأي إلى ملاحظاته على الفروقات اللحنية واللغوية بين النصفين.
احتمال انقسام طقسين منذ القرن العاشر
من المحتمل أن يكون هناك انقسامٌ في الطقوس منذ القرن العاشر الميلادي تقريبًا إلى طقسين مختلفين:
- الطقس الملكاني (الذي يُستَخدم في الكنيسة الملكانية، وهو منشأ المخطوطة المذكورة).
- الطقس القبطى الذي أُضيفَ إليه النصف الثاني من ثيوطوكية الأحد، وهو يختلف في نسقه عن النصف الأول.
تُعَدُّ هذه الإضافات لاحقةً على زمن تأليف النصف الأول، ويُرجَّح أن تكون قد أُجريت قبل القرن الرابع عشر الميلادي، إذ وجدت ترجمةً إثيوبيةً للقطعة العاشرة من ثيوطوكية الأحد تعود إلى تلك الفترة.
القطعة الثامنة: شفاعة القديس كيرلس الكبير
في القطعة الثامنة يُطلب من القديسة أن تشفع لنا «بما لها من دالة عند ابنها»، أي أن تُفتح أبواب الكنيسة وتُستقبلنا رحمة الله. هذا القول منسوب إلى القديس كيرلس الكبير، ويُقَدَّمُ بعد تحيةٍ لرجال العهد القديم.
القطعة التاسعة: إشارة إلى العذراء مريم وعصا هارون
تُستَهلِكُ القطعة التاسعة دعاءً للـ«عذراء مريم الزهرة المقدسة» التي قدمت لنا «يسوع البخور» الذي «اشتمَ الآب ذبيحته المقبولة عنا». وفي نفس القطعة تُستَشهدُ بـ«عصا هارون» التي اختارها الله لتنبت «بدون غرس ولا سقا»؛ وهذا يُشَبِّهُ ميلاد المسيح بالولادة البتولية التي لا تحتاج إلى زرع بشري.
هذا التفسير يُستند إلى آباء مجمع أفسس والقديس ساويرس الأنطاكي، اللذين فسَّراه كدلالةٍ على الخلق غير المتوسّط بالإنسان.
القطع من العاشرة إلى الخامسة عشر: تمجيد العذراء وتفوقها
تُقارن القطع من العاشرة إلى الخامسة عشر بين العذراء مريم والرتب السماوية والأنبياء، وتُظهر تفوقها على الجميع.
- القطعة العاشرة تبدأ باللحن «تى أوي إن هي كانوس…»، وتتنوع بين اللحن الطويل والمتوسط والقصير.
- تُعطى العذراء في هذه القطع شرفًا أكبر من الآباء والأنبياء، وتُوصف بأنها «فخر جنسنا» و«الممتلئة نعمةً» التي نطلب شفاعتها لننال رحمة الله.
القطع من السادسة إلى الثامنة عشرة: موضوع القيامة
القطع من السادسة إلى الثامنة عشرة تختص بموضوع القيامة، وتُقَرَّأ في صلوات «الخمسين المقدسة» (التي تُصَلَّى في عيد القيامة).
ثيوطوكية الاثنين: مقارنة بين آدم وحواء والمسيح
في ثيوطوكية الاثنين تُقَارِنُ بين:
- آدم الساقط وحواء «الأخوة الحية»،
- المسيح كـ«آدم الثاني» والعذراء مريم كـ«حواء الجديدة».
هذا التشبيه أولى به القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس (1 كورنثوس 15:21‑22):
ويُظهر النص الدافع القوي للتجسد: «لأنَّ اللهَ غَلَبَ بِحَنَانِهِ» (مقولةٌ لاهوتيةٌ تُستَخدمُ في النص). لا توجد قوةٌ أخرى تُجْبِرُ الله على خلاصنا سوى محبّته للإنسان.
ثيوطوكية هي قطعةٌ لاهوتيةٌ عميقة تُوضِّح طبيعة السيد المسيح، نُصُوْتَهُ الكامل، ونُورَهُ الحقيقي. يَستَعينُ المؤلفُ بالمزمور:
ويُفسِّر القديس باسيليوس أنَّنا بنور الروح القدس «نَنظُرُ جَمَالَ صُورَةِ اللهِ غير المنظور»؛ ومن هذه الصورة نَبْلُغُ إلى الجمال الفائق وهو الآب.
يُنسبُ بعضُ العلماءِ هذه الثيوطوكية إلى القديس كيرلس الكبير، نظراً لتقارب شرحها مع كتابه «الإيمان الصحيح للإمبراطور» المتعلق بالاتحاد القنومي.
ثيوطوكية الثلاثاء: كرامة العذراء ورموزها
تُبرز ثيوطوكية الثلاثاء كرامة العذراء مريم ك«أكليل فخرنا» ورمزًا للطهارة والعفة. تُستَخدمُ فيها تشبيهاتٌ رمزية:
- جبل دانيال: يُقال إنَّ الحجر الذي قُطِعَ من الجبل «بدون يد إنسان» يرمز إلى العذراء التي أخذ منها المسيح جسدًا «بدون زرع بشر ولا معرفة رجل».
- سلم يعقوب: يرمز إلى العذراء التي نزلت من السماء بطبيعتها اللاهوتية، ثم صعدت طبيعتنا البشرية الساقطة إلى السماء عندما فُتح باب الفردوس. يُستَشهدُ بهذا السلم عند آباءِ كثيرين مثل ق. غريغوريوس النيصي، يوحنا ذهبي الفم، يوحنا الدرجي، وقد ربطه بركلوس بطريرك القسطنطينية ويوحنا الدمشقي بعد مجمع أفسس.
- عليقة موسى: تُشَبَّهُ العذراء بـ«العليقة» التي حلَّ عليها الروح القدس، فامتلأت بنار اللاهوت ولم تحترق. أصبحت بطنها «أرضًا مقدسةً» لأن الإله الساكن في الكون كله سكن فيها وأخذ منها جسدًا إنسانيًا.
في القرون الأولى قبل مجمع أفسس، لم تكن العذراء هي المقصودة دائمًا في هذه الرموز؛ فمثلاً «العليقة» في ترتيلات هيبوليتس كانت تُشير إلى «كنيسة الله المحترقة بنار الاستشهاد والاضطهاد» أو إلى «النفس في وسط تجارب العالم» أو إلى «قيامة المسيح التي لم يتأثر بها الموت». كما فسَّر أكليمنضس السكندري وغريغوريوس النيصي أن العليقة مثالٌ لتُبُولية العذراء التي لم تُفسَدها الميلاد، كما لم تُحرق النار الشجرة.
خاتمة يتضح من هذا الاستعراض أنَّ الاختلافات في نسق الثيوطوكية تعكس تطورًا تاريخيًا ولحنيًا عبر القرون، وأنَّ الرموز والتمثيلات المستخدمة في القطع تُعَبِّرُ عن ثراءٍ لاهوتيٍّ عميقٍ يربط بين الكتاب المقدس، وتعاليم الآباء، وتقاليد الطقوس القبطية. لا يزال هذا التراث يُعَدُّ مصدرًا هامًا لفهم الإيمان والعبادة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الثيؤطوكية الثلاثاء في القطعة الثانية من «ثيؤطوكية الثلاثاء» نجد تشابهاً واضحاً مع عظة البابا أثناسيوس، بينما تُقابل القطعة الرابعة عظة البابا كيرلس الكبير في مجمع أفسس. هذا التشابه يُظهر أن الثيؤطوكيات تستند إلى مصادر بطريركية معتمدة، وتستعير من أسلوبهما اللغوي واللاهوتي في تمجيد السيدة العذراء وتعريف طبيعتها الإلهية والإنسانية.
ثيؤطوكية الأربعاء تُبرز هذه الثيؤطوكية كرامة السيدة العذراء، معتبرةً إياها أعلى من الشاروبيم (الملائكة) وأعلى من السارافيم، إذ صارت «عرشاً لله» تُحمل به «الطغمات السمائية العالية». القرار اللاهوتي المميز يقول:
هذا النص يُظهر أن العذراء تُقَدَّم كقالبٍ فريدٍ لتجسد الله في الإنسان.
تتضمن الثيؤطوكية مجموعة من التعبيرات اللاهوتية الراقية التي تصف العذراء بعباراتٍ مثل:
- «معمل اتحاد الطبيعتين» – إشارة إلى اتحاد الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في مريم.
- «العليقة النفسانية» – دلالة على دورها كوسيطٍ روحانيٍ بين الله والإنسان.
- «العبدة والأم» – الجمع بين خضوعها لله وبين أمّيتها للإنسان.
- «مدينة الله» – تشبيهها بمقرّ الوجود الإلهي.
- «أم وعذراء معاً» – إظهار تلازم الأمومة والقداسة.
- «الفردوس الناطق للمسيح» – إشارة إلى أن مريم هي الفضاء الذي يُنطق فيه المسيح.
- «السماء الثانية الكائنة على الأرض» – تصورها كسماءٍ ثانية تُجسِّد الخلاص على الأرض.
اللبش يُشار به إلى باب حزقيال المغلق، وهو باب لم يفتحه إنسانٌ قط. في سفر حزقيال 44:2 (ترجمة فاندايك) يقال:
يُفسَّر هذا الباب كرمزٍ لبتولية السيدة العذراء؛ فكما ظل الباب مغلقاً عن البشر، ظلت مريم «بتوليةً مختومةً» (كما يذكر في صلاة قسمة صوم الميلاد). أوريجانوس (الأب أوريجانوس) رأى في هذا الباب نصاً من العهد القديم لا يفتحه إلا المسيح، الذي يزيل غموض النبوات ويشرحها كما فعل مع تلميذي عمواس.
تطابق الثيؤطوكية مع عظة البابا بروكلوس القسطنطيني واضح في ترتيب أوصاف العذراء، إذ سُجِّلت الكلمات التي سمعها المؤلف من البطريرك وهو يدوِّن هذه الثيؤطوكيات.
ثيؤطوكية الخميس في هذه القطعة يُشرح النبوءات الواردة في سفر ميخا وسفر الرؤيا، ويُقدَّم قرارٌ لكل ربع يُوضح لاهوت المسيح الدائم:
هذه العبارة تلخّص ما جاء في كتاب «المسيح الواحد» للبابا كيرلس الكبير.
التشبيه الأخير المستمد من سفر الرؤيا يُصوِّر مريم كـ«مريم السماء الجديدة التي على الأرض المشرقة لنا منها شمس البر». يفسَّر النص أن «الشمس المتسربلة بها هي ربنا يسوع المسيح»، وأن «القمر تحت رجليها هو يوحنا المعمدان»، بينما «الإكليل المكوّن من اثني عشر كوكبًا» يرمز إلى «الرسل الاثني عشر» الذين يحيطون بها ويكرمونها.
النص المقتبس من رؤيا يوحنا 12:1‑2 (ترجمة فاندايك) هو:
هذه التشبيهات تُظهر أن السيدة العذراء تُقَدَّم كـ«المرأة المتسربلة بالشمس»، وأن القمر تحت رجليها هو يوحنا المعمدان، بينما الإكليل هو الرسل. يُلاحظ أن التفسير الأقدم للمرأة المتسربلة بالشمس كان يخص الكنيسة، وأن تطبيقه على العذراء بدأ في القرن السادس الميلادي.
العديد من تعبيرات الثيؤطوكية تتقارب مع قصيدة القديس ساويرس الأنطاكي رقم 118، ما يدل على تداخل التراث الشعري واللاهوتي في النص.
ثيؤطوكية الجمعة تُعدّ أصغر الثيؤطوكيات، وتكرّر لقب «أم الله» بالقبطية. تُلخِّص ما شرح الآباء عن عقيدة «التأليه» بالعبارة:
المقصد ليس أن نُصَرِّف الله إلى ما هو بشر، بل نَأخُذ من الله الحياة والقداسة، ونَستَقبل نعمة التبني الروحي:
على الرغم من صغر حجمها، تحمل هذه الثيؤطوكية تعبيرات لاهوتية عميقة تُعلن أزلية الكلمة:
وتؤكد أن الفداء قد تمّ بتدبيرٍ عجيب:
ثيؤطوكية السبت تُسلّط الضوء على «العذراء القديسة العفيفة» في كل شيء، وتُؤكِّد أن مريم هي «النعمة المُتَخَصِّصَة» (Κεχαριτωμένη) بالقبطية ⲕⲉⲭⲁⲣⲓⲧⲱⲙⲉⲛⲏ، وليست مجرد مُنْعَمَةٍ عليها. تُشبهها بـ«السماء الثانية الجديدة» التي يُشار إليها في نبوة ملاخي:
تتكرر فيها صورة السلم، وتُفسَّر نبوة إشعياء عن الميلاد البتولي، مع تأكيد أن «المولود منها هو عمانوئيل الملك الحقيقي».
المراجع
- الراهب أثناسيوس المقاري، صوم الميلاد وتسابيح آحاد شهر كيهك، 2013م.
- د. بطرس كرم، العبدة والأم، 2019م.
- سفر حزقيال 44:2 (ترجمة فاندايك).
- رؤيا يوحنا 12:1‑2 (ترجمة فاندايك).
- ملاخي 4:2 (ترجمة فاندايك).
المراجع
- القس باسيليوس صبحي – مذكرة: تاريخ الطقوس الكنسية، 2019م.
يقدِّم هذا العمل سردًا تاريخيًا لتطوُّر الطقوس في الكنيسة القبطية، مع التركيز على الفترات الرئيسة التي شهدت تغيُّرات لاهوتية وطقسية.
- د. رشدي واصف – الثيؤطوكيات، في: موسوعة من تراث القبط (الجزء الأخير)، ص 171‑180.
يشرح هذا الفصل مفهوم الثيؤطوكيات القبطية، ويستعرض سبع صلوات خاصة تُعَدُّ من أهمّ صلوات الكنيسة الأرثوذكسية القبطية.
- القس غريغوريوس رشيدي – دراسة عن الثيؤطوكيات القبطية السبعة، مجلة مدرسة الأسكندرية، العدد 2، 2009م، ص 131‑144.
تتناول الدراسة تحليلًا مفصَّلًا لكل ثيؤطوكية من السبعة، مع إشارة إلى أصولها التاريخية واللاهوتية.
- القس غريغوريوس رشيدي – دراسة عن مؤلف الثيؤطوكيات القبطية السبعة، مجلة مدرسة الأسكندرية، العدد 5، 2010م، ص 143‑163.
يسلّط هذا البحث الضوء على شخصية المؤلف وتاريخ تأليف الثيؤطوكيات، موضحًا دورها في ترسيخ هوية الطقوس القبطية.
- الأب متى المسكين – العذراء مريم والدة الإله، 1993م.
يناقش الكتاب مَكانة السيدة مريم في العقيدة القبطية، مستندًا إلى النصوص الكتابية وتقاليد الكنيسة.
- الأنبا متاؤس – روحانية التسبحة حسب طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، 2001م.
يُعرِّف القارئ بأسس الروحانية القبطية في صلوات التسبحة، موضحًا كيفية ارتباطها بالطقوس اليومية والقداس.
- الأنبا مكاريوس – الموسيقى القبطية، 2010م.
يُعنى هذا المؤلف بدراسة الأنغام والآلات المستخدمة في الترنيمات القبطية، مع توثيق للأنماط الموسيقية التقليدية.
- د. يوحنا نسيم – مقدمة عن الإبصلمودية، 2012م.
يقدم الكتاب تعريفًا لمفهوم الإبصلمودية في السياق القبطى، ويستعرض أصوله وتطوره عبر القرون.
إرسال تعليق