

الكاتدرائية الرئيسية للقوات المسلحة الروسية (كاتدرائية قيامة المسيح)
عند دخول الزائر إلى هذه الكاتدرائية، ينتابه شعور بالهيبة يتداخل فيه عظمة المكان المقدس مع غايته الروحية، فالمبنى شُيِّد لتكون فيه لقاءً إلهيًا يحيي ذكرى الذين قاتلوا واستشهدوا في سبيل وطنهم. وتُعَدُّ الكاتدرائية تجسيدًا للروح القتالية المتجذرة في تاريخ الشعب الروسي، إذ تُحاط بأيقونات القديسين الذين تُشفع شفاعتهم للجنود السوفييت، وتُزينها لافتات شعائرية ونصوص من الكتاب المقدس، إلى جانب جداريات ضخمة تُصوِّر مشاهد من معارك التاريخ العسكري الروسي.
أُقيمت الكاتدرائية تكريمًا لقيامة السيد المسيح، وقد صُفِّرت بأنها «مكرَّسة للذكرى الخامسة والسبعين للنصر في الحرب الوطنية العظمى، انتصار الشعب السوفياتي على النازية الألمانية، وإلى جانب ذلك إحياءً للجهود العسكرية للشعب الروسي في جميع الحروب». تم بناء الكاتدرائية في «باتريوت بارك» بمنطقة أودينتسوفسكي بمدينة موسكو، وقد جُمعت تمويلاتها من تبرعات المواطنين وأموال ميزانية كل محافظة، ما يعكس مشاركة المجتمع بأسره في إحياء هذا المشروع الوطني.
انتهى بناء الكاتدرائية في 9 مايو، وهو اليوم الذي يُحتفل فيه بذكرى النصر على النازية، ثم أُقِيمَت مراسم التكريس في 14 يونيو، وأُفتِتِحت للزوار في 22 يونيو 2020، وهو اليوم نفسه للذكرى السنوية الخامسة والسبعين للنصر.
التصميم
صُمِّمت الكاتدرائية بأسلوب روسي ضخم يجمع بين الطراز المعماري التقليدي والابتكارات الحديثة في بناء الكنائس الأرثوذكسية. استُخدم في واجهات المبنى المعدن، بينما صُنعَت الأقواس من الزجاج، ما أضفى على الصرح مظهرًا فخمًا يدمج الصلابة مع النور.
تُزيّن جدران الكنيسة جداريات تُظهر مشاهد من معارك التاريخ العسكري إلى جانب نصوص من الكتاب المقدس، ما يُعطي للزائر تجربة بصرية وروحية متكاملة. الزخارف السفلية (الصغيرة) مصنوعة من الخزف وقطع الزجاج الملون المصنوع من الكوبالت، وهو مادة تُستَخدم في صناعة ألواح الفسيفساء.
القبة الرئيسية، المخصَّصة لقيامة المسيح، صُنعت من نقش معدني، بينما صُنعت الزخارف والأيقونات وحامل الأيقونات من النحاس المطلي بالمينا المزجج (المرصع بالزجاج الملون). في قبة الكنيسة رُسمَ صورة لوجه السيد المسيح على نمط المنديل الذي طبعته القديسة فيرونيكا في أورشليم؛ وتُعَدُّ هذه الصورة أكبر صورة لوجه المسيح منفذة بالفسيفساء داخل القبة.
#### الفسيفساء الزجاجية
تحتوي الفسيفساء الزجاجية الملونة في قبو الكاتدرائية على أوسمة مختلفة للجيش الأحمر، وتُظهر وجوه قادة عسكريين بارزين من الجيش الإمبراطوري الروسي، ما يربط بين الماضي العسكري والهوية الوطنية الحالية.
الأحجام
تحمل أبعاد الكاتدرائية رموزًا عددية ذات دلالة تاريخية:
- ارتفاع الكنيسة مع الصليب: 95 مترًا، يرمز إلى عام انتهاء الحرب الوطنية العظمى (1945).
- قطر أسطوانة القبة الرئيسية: 19.45 مترًا، يذكّر بسنة النصر (1945).
- ارتفاع برج الجرس: 75 مترًا، إشارة إلى مرور خمسة وسبعين عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام 2020.
- ارتفاع القبة الصغيرة: 14.18 مترًا، يرمز إلى عدد الأيام والليالي (1418) التي استمرت فيها الأعمال العدائية خلال الحرب الوطنية العظمى.
تبلغ المساحة الكلية للكنيسة 11 000 م²، وتستوعب من الداخل ما يصل إلى ستة آلاف شخص، ما يجعلها أحد أكبر الصروح الدينية في روسيا.
الأجراس
صُنعت الأجراس في مسبك «فورونيج»، وتضم مجموعة من 18 جرسًا يزن مجموعها أكثر من 20 طنًا؛ أكبر الأجراس يزن 10 أطنان. تم تزيين 17 جرسًا برسومات تُصوِّر أسلحة وفروع الجيش الروسي، بينما حملت أحد الجوانب شعارات عسكرية، والجانب الآخر صورة أحد القديسين الشفعاء.
استغرق تصنيع الأجراس ستة أشهر، وتم تركيبها على برج مخصص لها في الكاتدرائية في 23 أغسطس 2019.
القبة
في 15 نوفمبر 2019، رُكِّبَت القبة المركزية التي تزن 80 طنًا، ويبلغ ارتفاعها وقطرها 12 مترًا. إجمالًا، تحتوي الكاتدرائية على ست قباب: أربعة قباب متطابقة تزن كل منها 34 طنًا، وقبة على برج الجرس، وقبة وسطية هي الأكبر. صُمِّم كل قبة بإطار معدني صلب قادر على الصمود من 300 إلى 1500 عام، ما يضمن استمرارية الصرح عبر الأجيال.
الأيقونة الرئيسية
الأيقونة الرئيسية للكنيسة هي أيقونة «السيد المخلص»، التي صُمِّمت على نمط صورة المنديل التي طبعتها القديسة فيرونيكا في أورشليم، وتُعرف بـ«الوجه المقدس». شارك في إنجازها أشهر الصاغة والحرفيين والفنانين الروس، واُستخدمت فيها تقنيات صُنع تقليدية إلى جانب رقائق الذهب والأحجار الكريمة الثمينة.
تحيط بصورة وجه المسيح أيقونات تاريخية مشهورة في روسيا، منها أيقونات العذراء مريم، والقديس فلاديمير، وسمولنسك، وتيكفين، وقد وُضعت على نقوش فنية تُصوِّر أحداثًا محورية في تاريخ الدولة الروسية، ما يعكس ارتباط الكاتدرائية بالتراث الديني والوطني على حدٍ سواء.
خلفية الأيقونة تمّ رسم ثمانية قديسين على خلفية الأيقونة، وهم: الشهيد مار جرجس، والقديس أندراوس الرسول، والقديس نقولا العجائبي، والقديس سرجيوس من رادونيج، والقديسة بربارة، والقديس بطرس الرسول، والشهيد بانديليمون المعالج، إضافةً إلى فيودور أوشاكوف، قائد أسطول البحر الأسود وواحد من القديسين الأكثر تبجيلاً في روسيا.
تُحاط أيقونة المخلص بإطارٍ من البرونز يزن نحو مئة كيلوغرام، وتبلغ أبعاد الأيقونة نفسها، دون الإطار، 98 × 84 × 10 سم.
الجدل حول فسيفساء تصور ستالين وبوتين
في أواخر أبريل ٢٠٢٠ سُرّبت صور تُظهر فسيفساء غير مكتملة تُضمّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزير الدفاع سيرجي شويغو، وعددٍ من المسؤولين الروس رفيعي المستوى، إلى جانب جوزيف ستالين. وُعِدت هذه الفسيفساء بالوضع داخل إحدى القُصُور الكنسية.
أوضحت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية في البداية أن وجود بوتين وستالين في الفسيفساء يأتي وفقاً للتقليد المتبع في تصوير الأحداث التاريخية، مشيرةً إلى أن المشهد يرمز إلى انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا عام ٢٠١٤ وما يُسمّى بـ«الحرب الوطنية العظمى». إلا أن الكنيسة صرّحت لاحقاً بأن الكاتدرائية لن تحتوي على أي فسيفساء تُظهر بوتين، موضحةً أن القرار اتُّخذ بعد استشارة الرئيس الروسي وأخذ رأيه في الاعتبار.
متحف «طريق الذاكرة»
بعد الاطلاع على محتويات الكاتدرائية، يُستحسن زيارة متحف «طريق الذاكرة» الفريد، الذي يُعَدّ مشروعاً غير مسبوق في سرد أحداث الحرب الوطنية العظمى. تُظهر وزارة الدفاع الروسية أن المتحف يُعَدّ «معرضاً للتاريخ الحي يحافظ على مصير واسم كل من قاد روسيا إلى النصر».
المتحف غير تقليدي في هيكله؛ إذ يمتد على طول ١٤١٨ خطوة، وهو عدد أيام الحرب ولياليها. يُعتمد في عرضه على تقنية الشريط الزمني التفاعلي التي تُظهر على امتداد المسار اليوميات الحربية، ما يسمح للزوار بالانتقال إلى مقاطع فيديو، صور فوتوغرافية، وتسجيلات صوتية نادرة من تلك الفترة.
يتكوّن المتحف من ٣٥ قاعةً، كلُّ واحدةٍ مزوّدة بأدوات تفاعلية تُتيح للزائر استكشاف الوثائق، الصور، الجوائز، الأسلحة، والمتعلقات الشخصية للجنود والضباط. في إحدى القاعات يُعاد إحياء مشهد خيمة مستشفى ميداني تُجرى فيها عملية جراحية لسجين سوفيتي؛ يُحاكي ذلك الروائح والضوضاء لتقريب الزائر من تجربة الجبهة، ثم يُكشف عن كونه عرضاً ثلاثي الأبعاد داخل القاعة.
العنصر الرئيسي والمثير في «طريق الذاكرة» هو معرض صور «نهر الزمن». يضم هذا المعرض معلومات عن جنود الخطوط الأمامية، الحزبيين، سكان لينينغراد المحاصرة، وعمال الجبهة الداخلية، إضافةً إلى آلاف الأشخاص الذين شاركوا في الدفاع عن الوطن. يضم النظام أكثر من ٣٠ مليون اسم؛ وقد صُمم برنامج خاص لتجميع الصور وفق سطوعها، ثم تحميلها إلى قاعدة بيانات تُرتّبها على شكل لوحات لا نهائية تشبه تدفق النهر. تُحدَّث قاعدة البيانات يومياً بمعلومات عن مكان الولادة والخدمة لكل مشارك.
المتحف مشروعٌ مستمر لا يُحدّ بحدود زمنية؛ تُضاف موارد جديدة من صور ومعلومات بصورة دورية، ما يجعله منصة تفاعلية فريدة لتوثيق تاريخ ملايين العائلات الروسية. افتُتح المتحف والكاتدرائية في ٢٥ يونيو ٢٠٢٠.
إرسال تعليق